رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

الدولة تصدت للمعتدى على أملاكها

العقوبة عزل من المنصب..الرشوة جريمة مشينة في مصر القديمة و"حور محب"واجهها بقوة

الرشوة جريمة مشينة
الرشوة جريمة مشينة في مصر القديمة

بقدر ما كان المشرع المصرى القديم يتشدد مع سرقات المقابر والمعابد، فلم يكن يتهاون مع سرقة مؤسسات الدولة الأخرى .

 

وأشار مرسوم حور محب إلى العقوبات الرادعة التي فرضت على من تسول له نفسه سرقة ضرائب الدولة فى أثناء توريدهاإذ ورد أن من يغتصب ضرائب البيرة والضرائب المستحقة للمطابخ الملكية بعد جمعها من الأهالي كان يتعرض لعقوبة جدع الأنف والنفى.

الباحثة منال محمود محمد محمود تناولت ما سبق في رسالة الماجستير الخاصة بها بعنوان"الجريمة والعقاب في مصر القديمة"،حيث أشارت إلي أنه كذلك كانت نفس هذه العقوبة توقع على من يتعرض لضرائب الحريم الملكي أو قرابين الآلهة أو حتى يعوق توريدها،كما أشار المرسوم نفسه إلى سرقة بعض أفراد الحراسة الضريبة الجلود والتي كانت تعرضهم لعقوبة الضرب مائة ضربة مع إحداث خمسة جروح مفتوحة واسترداد الجلود التي اغتصبوها.

ومما سبق يتضح لنا أن الدولة تصدت لمن يعتدى على أملاكها من مقابر و معابد و مؤسسات دنيوية بكل حزم وشدة وفرضت عقوبات جنائية على الجاني اختلفت بحسب درجة الجرم وأيضا بحسب المكان الذي حدثت فيه السرقة،حيث تميزت مصر خلال عصرها الفرعوني بكثرة موظفيها، وقد كان الموظفون يتفاوتون فى أهميتهم ومركزهم تبعا لتفاوت أهمية الأعمال الموكولة إليهم، ولهذا كانوا يخضعون لنظام رئاسي متدرج وكان الجهاز الوظيفي أشبه بالهرم، فى القاعدة صغار الموظفين وفى القمة الوزير.

وكان من واجب كل موظف أيا كان مركزه الوظيفي أن يؤدى عمله على النحو المطلوب، وكان العزل من المنصب من العقوبات الإدارية الرادعة التي يتعرض لها كل موظف يأتى عملا ينطوى على إخلال فاضح بواجبات وظيفته، هذا إلى جانب عقوبات أخرى قاسية، إذ كان الجزاء الشديد يتهدد كل موظف يسئ استغلال وظيفته أو يختلس أو يرتشى، وهو ما يشير إلى أن المجتمع المصرى القديم قد عرف العديد من الجرائم التي تتعلق بموظفى الحكومة من قضاة وغيرهم.

وتعتبر الرشوة من أهم الجرائم التى تتعلق بالعمل الإداري في مصر القديمة،حتي أن كتبة السجلات الملكية لم يتورعوا عن قبول الرشوة بل كانوا يطلبونها بأنفسهم مع أنهم موظفون يفترض فيهم أصلا عدم خرق القانون بهذه الصورة، وذلك انطلاقا من مواقع عملهم"كاتب السجلات الملكية ستخ مسو سمع صوته، وهددنا قائلا: أنا ذاهب الأبلغ كبير كهنة أمون نحن أحضرنا ثلاث قطع من الذهب وأعطيناها إلى كاتب السجلات الملكية ستخ مسو، ومرة أخرى ذهبنا راجعين وأعطيناه قطعة ونصف من الذهب، مجموع ما أعطى من ذهب إلى كاتب السجلات الملكية ستخ مسو أربع قطع ونصف.

ومما له دلالة قوية في هذا الصدد ما نجده من حرص أصحاب الشكاوي وعمال الجبانة في دير المدينة على تقديم (الهدايا) لكاتب الوزير، لأن ذلك في نظرهم من الأمور الأساسية،بل إن عمدة الفنتين لم ير بأسا بأخذ الرشوة عندما عرض عليه موظفوه بعضا من تهم السرقة لتفحصها والقضاء فيها.

ولم يكن الحكام المصريون بغافلين عن هذه الانحرافات وما يجب أن يتخذ ضدها من إجراءات وتدابير احترازية لمنع هذه الجرائم فبالنسبة للقضاة، كان حسن اختيار الشخص الذي ينصب في منصب القاضى واختياره على مواصفات شخصية معينة كالأخلاق والنزاهة هو أول هذه التدابير، فذكر حور محب في مرسومه الإصلاحي بحثت عن رجال يتسمون بالرزانة والخلق القويم قادرين على معرفة بواطن الأمور ، مطيعين لتعليمات القصر وللقوانين المحفوظة في دور المحفوظات المحاكم)، عينتهم المباشرة القضاء فى القطرين، بما يرضى سكانهما، وقمت بتوزيعهم في المدينتين الكبيرتين الشمالية والجنوبية.

ولم يترك الأمر فقط لالتزام القضاة ونزاهتهم وإنما إلى جانب هذه الضمانات الأخلاقية حرصت الدولة على أن توفر لهم حياة كريمة دون أن يتعرض أحد منهم لاى ضغوط مادية، بل إن توفير حياة ترية لهم كانت من النصائح التى توجه عن فن الحكم والإدارة أخلع على الوجهاء والعاملين لديك أسباب ثراءك حتى يتمكنوا من تنفيذ قوانينك،الأمر الذي يوفر - كلما أمكن - جوا نقيا وصالحا لكي تسير العملية القضائية في طريقها بحثا عن العدل، وقد كتب أحد القضاة على جدران مقبرته قائلا:" لقد حكمت بين الناس بالعدل دون أدنى انحياز فقد كنت غنيا.

وبالنسبة لموظفى الدولة الآخرين، فيبدو أن الفساد كان قد عم كل البلاد في أواخر عصر الأسرة الثامنة عشرة، وذلك بسبب الثورة الدينية والإضرابات الداخلية التي بدأت من عهد أخناتون، وكان من أشد عيوب هذا العصر إنتشارا هو تفشى الرشوة بشكل ظاهر و محسوس ، فكان جامعو الضرائب وموظفو الحكومة يسرفون في استخدام نفوذهم في ابتزاز الأموال من الأهالي، فعم الخلل كل الأعمال الحكومية.

وكان أول ما قام به حور محب حين تولى العرش القضاء على هذه الأحوال فأصدر مرسوما أوضح به ما كان يرتكب من تجاوزات وسن لها القوانين، وأشار المرسوم إلى ما كان يطلبه موظفو الدولة من العمد أثناء قيامهم بالتفتيش يصلون أي موظفى التفتيش إلى العمد قائلين: فليعط لنا شيئا إناء من الخمر) في مقابل تفتيش صوری،وكلمة تفتيش صورى هنا تشير إلى ما كان يعرفه هؤلاء الموظفون عن مخالفات العمد، وطلب إناء من الخمر كرشوة ليس بغريب إذ كانت الضرائب وأيضا الرشاوى تقدم من الأشياء العينية كالفضة والذهب وغيرهما من المنتجات الزراعية وكذلك من الخمر،وقد أصدر حور محب أوامره بوقف هذه الممارسات جلالتي قد أمر بألا يسمح بالتصرف بمثل ذلك بدءا من اليوم.

ولعل أشهر العقوبات التي طبقها القانون المصرى القديم على الموظفين الذين يخلون بشرف مهنتهم كانت عقوبة العزل من المنصب والإنزال إلى درجة عامل زراعة"المقصود فلاح أجير"،وكانت الرشوة من الجرائم التي تستوجب هذه العقوبة، فأشار مرسوم من عهد سيتي الثاني إلى ذلك فذكر: "الكاهن الذي يعطى رشوة إلى كاهن الحم - نثر سوف يعزل من وظيفته ويوضع كعامل زراعة.

ولم تكن هذه العقوبة تقتصر على الموظفين وإنما أيضا الوزراء الذين كانوا يرتكبون مخالفات إدارية كانوا معرضين لهذه العقوبة،وكان الفرعون هو الذي يصدر مثل هذه العقوبة ضد الوزير، فقد كان الموظف في مصر الفرعونية لا يعاقب إلا من رئيسه أو ممن هو أعلى منه،كما ورد أيضا في وثيقة تورين القضائية على لسان الفرعون رمسيس الثالث: خذوا حذركم، احترصوا حتى لا تجعلوا أحد الناس يعاقب خطأ على يد موظف ليس أعلى منه ".

تم نسخ الرابط