رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

بعد ظهورها في عدد من المحافظات، كيف قاوم المصري القديم ظهور الثعابين

الكوبرا
الكوبرا

 

مع تكرار البلاغات خلال الأسابيع الأخيرة عن ظهور الثعابين في عدد من المناطق السكنية والزراعية بمصر، عاد الجدل من جديد حول هذه الزواحف التي تثير الذعر لدى المواطنين. 

 

وبينما ينشغل الناس اليوم بوسائل مكافحتها والوقاية منها، يكشف التاريخ أن المصري القديم لم ينظر إلى الثعبان باعتباره مجرد كائن خطر، بل منحه مكانة دينية ورمزية استثنائية، حتى أصبح أحد أشهر رموز السلطة والحماية في الحضارة المصرية القديمة.

ورغم أن ظهور الثعابين في الوقت الحالي يرتبط غالبًا بارتفاع درجات الحرارة، واتساع العمران على حساب البيئات الطبيعية، وخروجها بحثا عن الغذاء أو الماء، فإن المصريين القدماء تعاملوا معها بفهم مختلف؛ فقد أدركوا خطورتها، لكنهم آمنوا أيضًا بأنها تمتلك قوة قادرة على الحماية إذا جرى استرضاؤها واحترامها.

بين الخوف والتقديس.. لماذا تعود الثعابين إلى الواجهة وهل سبق المصري القديم عصره؟

وكانت الكوبرا المصرية من أكثر الثعابين حضورًا في العقيدة المصرية القديمة، إذ تجسدت في الإلهة واجيت، حامية مصر السفلى، والتي كانت تُصوَّر على هيئة كوبرا منتصبة تستعد للهجوم دفاعًا عن الملك.

 ومن هنا ظهر رمز "الحية المقدسة" أو "الأوريوس"، الذي زُينت به تيجان الفراعنة ليعلن أن الملك يحظى بحماية إلهية وأن كل من يقترب منه يواجه غضب الكوبرا المقدسة.

ولم يكن وجود الثعبان على التاج مجرد عنصر زخرفي، بل رسالة سياسية ودينية في آن واحد؛ فالفرعون، وفق المعتقد المصري القديم، يحكم بتفويض من الآلهة، والكوبرا فوق جبينه ترمز إلى القوة والسيادة والقدرة على ردع الأعداء.

ثعابين تمثل قوى الخير والحماية، وأخرى تجسد الفوضى والشر

كما حضرت الثعابين بقوة في النصوص الجنائزية، وخاصة في نصوص الأهرام وكتب العالم الآخر، حيث ظهرت ثعابين تمثل قوى الخير والحماية، وأخرى تجسد الفوضى والشر. وكان أشهرها الثعبان العملاق "أبوفيس"، عدو إله الشمس، الذي كان يحاول كل ليلة ابتلاع مركب الشمس، قبل أن تهزمه قوى النظام ليشرق النهار من جديد، في تجسيد دائم للصراع بين النظام والفوضى.

ويؤكد علماء الآثار أن هذه الرمزية لا تعني أن المصري القديم كان يعبد كل الثعابين، بل إنه ميّز بين الأنواع النافعة والخطرة، واستخدم الرموز الدينية للتعبير عن مفاهيم السلطة والحماية وتجدد الحياة، وهي رؤية متقدمة تعكس فهمًا عميقًا للطبيعة.

البرديات الطبية المصرية القديمة تضمنت وصفات لعلاج لدغات الثعابين والعقارب

ومن اللافت أن بعض البرديات الطبية المصرية القديمة تضمنت وصفات لعلاج لدغات الثعابين والعقارب، إلى جانب تعاويذ دينية كان يُعتقد أنها تمنح المصاب الحماية، وهو ما يدل على أن المصري القديم جمع بين الملاحظة الطبية والمعتقدات الدينية في مواجهة الأخطار الطبيعية.

ويشير متخصصون في الحياة البرية إلى أن أغلب الثعابين لا تهاجم الإنسان إلا إذا شعرت بالخطر أو تمت محاصرتها، وأن قتلها عشوائيًا قد يخل بالتوازن البيئي، لأنها تتغذى على القوارض التي تنقل العديد من الأمراض وتتسبب في خسائر زراعية.

وهكذا، بينما ينظر كثيرون اليوم إلى الثعبان باعتباره مصدرًا للرعب فقط، يكشف التراث المصري القديم عن علاقة أكثر تعقيدًا؛ علاقة جمعت بين الخوف والاحترام والرمزية الدينية، لتبقى الكوبرا المصرية واحدة من أشهر الأيقونات التي خلدتها الحضارة المصرية، شاهدة على قدرة المصري القديم على تحويل أكثر الكائنات رهبة إلى رمز للقوة والحماية والخلود.

تم نسخ الرابط