خمسة أشخاص فمقبرة واحدة..من كانت هذه الأسرة التي دُفنت معًا في الواحات؟
كشفت أعمال الحفائر الأثرية عن مقبرة جماعية تحمل واحدة من أكثر التفاصيل إثارة في الكشف الجديد؛ خمسة أفراد دُفنوا داخل مقبرة واحدة، في مشهد يفتح الباب أمام أسئلة عديدة حول طبيعة هذه الأسرة، ومكانتها الاجتماعية، والظروف التي جمعت أفرادها في مثواهم الأخير.
الكشف جاء خلال موسم الحفائر الحالي للبعثة الأثرية المصرية العاملة بالموقع، وأسفر عن العثور على ثلاث مقابر تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، إلى جانب مومياوات وتوابيت من الحجر الجيري والفخار، وأوانٍ فخارية وموائد قرابين وتماثيل نذرية.
لكن المقبرة الأولى تبدو الأكثر جذبًا للانتباه، ليس فقط بسبب عدد المدفونين بها، وإنما بسبب الطريقة التي صُممت بها وما احتوته من توابيت ومومياوات.
مقبرة لأسرة واحدة
تتكون المقبرة الأولى من بئر مربع الشكل يصل عمقه إلى نحو 3 أمتار، وفي نهايته حجرتان للدفن.
وتقع الحجرة الأولى في الناحية الغربية، وهي حجرة صغيرة مستطيلة الشكل، عُثر بداخلها على تابوت من الحجر الجيري بداخله مومياء مغطاة بلفائف كتانية.
أما الحجرة الثانية، فتقع في الناحية الشمالية من البئر، وهي أكبر حجمًا، ويبدو أنها كانت مخصصة لدفن باقي أفراد الأسرة، حيث عُثر بداخلها على أربعة توابيت من الحجر الجيري، يضم كل منها مومياء مغطاة بلفائف كتانية.
وهنا تظهر المفارقة التي تجعل الكشف مثيرًا للاهتمام: مقبرة واحدة، وخمسة أفراد، ومجموعة من التوابيت والمومياوات التي ربما تحمل مفتاحًا لفهم أسرة عاشت وماتت في هذه المنطقة منذ قرون طويلة.
من هؤلاء الخمسة؟

حتى الآن، لا تقدم المعلومات المعلنة إجابة نهائية عن هوية الأشخاص الخمسة أو صلة القرابة بينهم، لكن ترجيح تخصيص المقبرة لأسرة واحدة يفتح مساحة واسعة للبحث الأثري.
هل كانوا أفراد أسرة واحدة بالفعل؟ وهل كان بينهم أب وأم وأبناء؟ أم أن الأمر يتعلق بعائلة ممتدة تضم أكثر من جيل؟
وهل تكشف دراسة المومياوات عن أعمار مختلفة يمكن أن تساعد في تحديد طبيعة العلاقة بينهم؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بمجرد العثور على التوابيت، وإنما تحتاج إلى دراسة علمية للمومياوات والدفنات واللقى المصاحبة، إلى جانب مقارنة أسلوب الدفن بطقوس العصر الذي تنتمي إليه المقبرة.
التوابيت.. أكثر من مجرد أوعية للدفن
وجود توابيت من الحجر الجيري داخل المقبرة يضيف طبقة أخرى من المعلومات.
فالتابوت في مصر القديمة لم يكن مجرد وسيلة لحفظ جسد المتوفى، وإنما كان جزءًا من منظومة جنائزية متكاملة ارتبطت بمعتقدات المصريين حول الموت والبعث والحياة الأخرى.
كما أن دراسة شكل التوابيت وطريقة وضعها داخل الحجرات يمكن أن تساعد المتخصصين في تحديد الفترة الزمنية التي تعود إليها المقبرة، وربطها بمقابر أخرى في المنطقة.
أما المومياوات المغطاة بالكتان، فتمنح الباحثين فرصة لدراسة جوانب مختلفة من حياة أصحابها، إذا سمحت حالة الحفظ بذلك، مثل أعمارهم وحالتهم الصحية وبعض التفاصيل البيولوجية التي قد تساعد في رسم صورة عن سكان الواحة في تلك الفترة.
لماذا دُفنوا معًا؟

الدفن الجماعي لأفراد من أسرة واحدة يطرح سؤالًا آخر: هل كان اختيار المقبرة عائليًا منذ البداية؟
تصميم المقبرة، الذي يضم حجرتين للدفن، قد يشير إلى أنها كانت معدة لاستيعاب أكثر من شخص، لكن تحديد ما إذا كانت قد شُيدت لأسرة كاملة أم جرى استخدامها على مراحل يحتاج إلى مزيد من الدراسة.
وقد تكشف الحفائر المستقبلية أو الفحوص العلمية عن تفاصيل تساعد في معرفة ما إذا كان الأشخاص الخمسة قد دُفنوا في فترة زمنية متقاربة، أم أن المقبرة ظلت مستخدمة عبر سنوات أو أجيال.
وهذه النقطة تحديدًا يمكن أن تحول الكشف من مجرد العثور على مومياوات إلى قصة عن نمط الحياة والأسرة والمجتمع في الواحات البحرية.
ثلاث مقابر.. ثلاث حكايات
ولا تقتصر أهمية موسم الحفائر على المقبرة الجماعية الأولى. فالمقبرة الثانية تتكون من بئر صغير يؤدي إلى سلم من ثلاث درجات ينتهي بحجرة دفن، وتشير الشواهد الأثرية إلى أنها ربما لم تُستخدم للدفن.
أما المقبرة الثالثة، فتتميز بتصميم مختلف؛ إذ تضم بئرًا مستطيلًا ومدخلًا يؤدي إلى صالة صغيرة مكشوفة، يُرجح أنها كانت مرتبطة باستقبال المومياء أثناء عملية الدفن قبل نقلها إلى مكانها النهائي.
وتؤدي الصالة إلى حجرتين، عُثر في إحداهما على أجزاء من تابوت فخاري، بينما ضمت الأخرى تابوتًا من الحجر الجيري فقد أجزاء من غطائه.
هذا التنوع في تصميم المقابر داخل الموقع نفسه يعكس اختلافًا في طرز الدفن والفترات التاريخية، ويجعل الشيخ سوبي موقعًا مهمًا لدراسة تطور العمارة الجنائزية في الواحات البحرية.
وجه آدمي يخرج من الظلام
ومن بين القطع التي تزيد من إثارة الكشف، تابوت فخاري أسطواني الشكل عُثر عليه في إحدى الدفنات الجانبية.
التابوت كان مكسورًا إلى عدة أجزاء، لكن غطاءه يحمل تجسيدًا بارزًا لوجه آدمي بملامح واضحة.
وهذه القطعة تحديدًا تفتح بابًا آخر لدراسة الممارسات الجنائزية والفنون المرتبطة بالموت في الفترة التي تعود إليها، كما أن مقارنة هذا النوع من التوابيت بقطع مشابهة يمكن أن تساعد في تحديد أصله وزمنه وطبيعة استخدامه.
موائد قرابين وتماثيل نذرية
ولم تتوقف المكتشفات عند المومياوات والتوابيت.
فقد أسفرت أعمال الحفائر عن مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية والقنينات الصغيرة والأطباق، إلى جانب موائد قرابين مصنوعة من الحجر الجيري والحجر الرملي.
كما ظهرت مجموعة من التماثيل النذرية الصغيرة المصنوعة من الطين المحروق «تيراكوتا»، من بينها تماثيل لهيئات أمومية وأخرى لهيئات حيوانية محورة.
وهذه اللقى تساعد على فهم ما كان يحدث داخل المقبرة وحولها، وتكشف أن المكان لم يكن مجرد مساحة لدفن الموتى، بل ارتبط أيضًا بممارسات وطقوس جنائزية ودينية.
ماذا تقول المقابر عن سكان الواحة؟
أهمية الكشف تتجاوز عدد المومياوات والقطع الأثرية، لأنه يضيف شواهد جديدة إلى تاريخ سكان الواحات البحرية.
فالموقع يضم جبانة ارتبطت بحكام وكهنة الواحة خلال العصر المتأخر، وهو ما يمنحه أهمية خاصة في دراسة المجتمع المحلي وممارساته الجنائزية.
ومع استمرار أعمال الحفائر، قد تظهر مقابر أخرى تسمح للباحثين بمقارنة الدفنات وربطها ببعضها، وربما الوصول إلى صورة أكثر وضوحًا عن الأجيال التي عاشت في الواحة ودُفنت في هذه الجبانة.
هل تحمل المومياوات الإجابة؟
ربما تكون الإجابة عن السؤال الأكبر في الكشف موجودة داخل المومياوات نفسها.
فالفحوص العلمية يمكن أن تساعد في تحديد أعمار المدفونين وجنسهم وبعض الأمراض أو الإصابات التي تعرضوا لها، كما يمكن أن تقدم دراسات أكثر تطورًا معلومات حول صلات القرابة، إذا كانت حالة العينات تسمح بذلك.
وفي حال تأكدت الروابط الأسرية بين المدفونين، فقد يصبح الكشف نموذجًا مهمًا لدراسة الأسرة المصرية خارج وادي النيل والدلتا، وفهم طبيعة الحياة في الواحات من منظور مختلف.
الحكاية لم تنتهِ بعد
تواصل البعثة الأثرية أعمالها في موقع الشيخ سوبي خلال المواسم المقبلة، وسط توقعات بإمكانية الكشف عن مقابر أخرى.
وهنا تكمن أهمية الكشف الحالي؛ فالمقبرة التي جمعت خمسة أفراد قد لا تكون سوى جزء من جبانة أكبر، وربما تقود الحفائر المقبلة إلى دفنات جديدة تكشف أجيالًا متعاقبة من سكان الواحة.
وبين خمسة مومياوات، وتوابيت حجرية وفخارية، وموائد قرابين وتماثيل نذرية، يبدو أن الشيخ سوبي لا يقدم مجرد اكتشاف أثري جديد، بل يفتح نافذة على مجتمع عاش ومات ودفن أبناءه في قلب الواحات البحرية.
ويبقى السؤال الذي قد تجيب عنه الدراسات المقبلة: من كانت تلك الأسرة؟ وهل دفن أفرادها معًا لأنهم ينتمون إلى عائلة واحدة بالفعل، أم أن المقبرة تخفي قصة أكثر تعقيدًا عن سكان الواحة في ذلك الزمن؟


