رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

صرخة من قلب القاهرة التاريخية.. عالم آثار يستغيث لإنقاذ قبة السيدة زينب

Go Egypia

 

قبة نادرة بجبانة باب النصر تستغيث.. هل تنقذها الترميمات قبل أن تندثر؟

 

في قلب القاهرة التاريخية، وتحديدًا داخل جبانة باب النصر، تقف قبة أثرية نادرة تحمل اسم قبة السيدة زينب بنت الحنفية، لتكشف تفاصيلها المعمارية عن طبقات متعاقبة من تاريخ العمارة الإسلامية في مصر، بداية من القرن الثالث الهجري، مرورًا بالعصر المملوكي، وصولًا إلى ترميمات وفترات استخدام لاحقة.

القبة التي تُعرف بين السكان المحليين باسم «معبد الست زينب»، كانت محور بحث علمي أعده الدكتور وليد أحمد صلاح الدين العليلي، أستاذ مساعد بقسم الإرشاد السياحي بكلية السياحة والفنادق – جامعة عين شمس، ونُشر البحث في المجلة الدولية لكلية السياحة والفنادق بجامعة العاصمة عام 2019.

No photo description available.

قبة تعود إلى القرن الثالث الهجري

وبحسب نتائج الدراسة، يرجح الباحث أن تكون القبة قد أنشئت في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وهي الفترة التي ارتبطت بقدوم السيدة زينب إلى مصر، وفق الروايات التي يرجع تاريخ قدومها إلى عامي 212 أو 213 هجرية.

ويستند هذا الطرح إلى مجموعة من الخصائص المعمارية، من بينها استخدام الآجر (الطوب) في بناء أجزاء القبة، والتكوين البيضاوي المميز للجزء العلوي منها، إلى جانب بساطة مناطق الانتقال بين المربع والدائرة، وهي عناصر يرى الباحث أنها تتفق مع طرز العمارة الإسلامية المبكرة.

وتكمن أهمية هذه العناصر في أنها تختلف عن الأساليب التي انتشرت في العمارة الأيوبية والمملوكية فيما بعد، والتي اتسمت بتطور أكبر في استخدام المقرنصات والزخارف والعناصر المعمارية.

بصمات مملوكية واضحة

No photo description available.

رغم أن أصل القبة يرجح أن يعود إلى فترة مبكرة، فإنها لم تبقَ على حالتها الأولى، إذ تشير الدراسة إلى خضوعها لعمليات ترميم وتجديد خلال العصر المملوكي.

ومن أبرز العناصر التي أضيفت أو أعيد تشكيلها خلال هذه الفترة:

الشرافات الحجرية ذات التكوينات الثلاثية.

نوافذ «القنديلية» التي ظهرت في عدد من واجهات القبة.

القمرية الدائرية أعلى المحراب.

إعادة تشكيل جدار القبلة.

تعديلات على المدخل والتخطيط الداخلي.

إضافات معمارية مرتبطة بالاستخدام الصوفي للمكان.

وتشير الدراسة إلى أن اختلاف مواد بعض العناصر المملوكية عن مادة البناء الأصلية للقبة يمثل أحد الأدلة على أن هذه الأجزاء جاءت في مرحلة لاحقة.

من ضريح إلى مكان للعبادة والذكر

ولا تقتصر أهمية القبة على كونها مدفنًا، إذ تشير نتائج البحث إلى أنها استخدمت أيضًا في العبادة وإقامة حلقات الذكر والدروس الصوفية.

ومن الأدلة التي يستند إليها الباحث وجود كرسيين خشبيين للمقرئ داخل القبة، وهي عناصر ارتبطت باستخدامات دينية وتعليمية في عدد من المنشآت الصوفية والمساجد خلال العصور الإسلامية.

كما تكشف بعض تفاصيل القبة عن استمرار الوظيفة الدينية للمكان لفترات زمنية طويلة، بما يعكس أهمية المنطقة باعتبارها إحدى المناطق التي ارتبطت بالتصوف والدفن والمنشآت الدينية في القاهرة التاريخية.

محراب كان مدفونًا تحت الرديم

ومن أبرز ما كشفته الدراسة المحراب الموجود في جدار القبلة، والذي عُثر عليه وقد غطته طبقات من الرديم والتراب والطوب المتساقط من سقف القبة.

ويرى الباحث أن المحراب يحمل سمات معمارية يمكن أن تساعد في فهم تاريخ القبة ومراحل تطورها، خاصة أن بنيته الداخلية تكشف عن استخدام الآجر، بينما جاءت بعض عناصر التشكيل الخارجي والقمرية الدائرية في مرحلة لاحقة.

كما تتضمن الدراسة الإشارة إلى لوح رخامي يحمل عبارات دعائية بخط النسخ، من بينها: «يا زائري لا تنسني من دعوة لي صالحة، ابسط يدك إلى السماء»، ويرجح الباحث أن يكون هذا اللوح قد أضيف في فترة متأخرة، ربما خلال العصر العثماني أو عصر أسرة محمد علي، ضمن إحدى عمليات الترميم.

لماذا تعد القبة مهمة في تاريخ العمارة الإسلامية؟

يرى الباحث أن القيمة المعمارية للقبة ترجع إلى اجتماع عدد من العناصر النادرة في منشأة واحدة، من بينها التخطيط المربع تقريبًا، والقبة ذات التكوين البيضاوي، والنوافذ البيضاوية، وبساطة مناطق الانتقال، واستخدام الآجر، ثم الإضافات المملوكية التي أعادت تشكيل عدد من عناصرها.

ويقدم هذا التداخل المعماري نموذجًا واضحًا لكيفية تطور المنشآت الدينية والجنائزية في القاهرة عبر العصور، حيث احتفظت القبة بجزء من تكوينها المبكر، بينما أضيفت إليها عناصر جديدة مع تغير الوظائف والاستخدامات ومرور الزمن.

جبانة الصوفية واهتمام المماليك بالمنطقة

وترتبط القبة كذلك بتاريخ المنطقة المحيطة بها، والتي شهدت تطورًا عمرانيًا كبيرًا خلال العصر المملوكي، خاصة مع انتشار المدافن والمنشآت المرتبطة بالصوفية.

وتشير الدراسة إلى أن المنطقة عرفت بأسماء مختلفة، منها الريدانية وميدان القبق، وأصبحت لاحقًا إحدى المناطق التي اختار فيها عدد من الأمراء المماليك إقامة مدافنهم.

ومن هنا يرى الباحث أن العناية بالقبة وترميمها خلال العصر المملوكي يمكن فهمها في إطار الاهتمام الذي أولاه سلاطين وأمراء المماليك للمنطقة ومنشآتها الدينية والجنائزية.

بين القيمة التاريخية وخطر الاندثار

No photo description available.

وتطرح الدراسة في نهايتها قضية أساسية تتجاوز حدود البحث الأكاديمي، وهي الحاجة إلى الحفاظ على القبة وترميمها بصورة عاجلة.

فالقيمة التاريخية والمعمارية للقبة تجعلها شاهدًا نادرًا على مراحل مبكرة من تطور العمارة الإسلامية في مصر، فضلًا عن ارتباطها بتاريخ التصوف والجبانات المملوكية في القاهرة.

ومن هذا المنطلق، يطالب الباحث بضم القبة إلى سجل الآثار الإسلامية وإخضاعها لأعمال ترميم عاجلة وسريعة، قبل أن تتعرض عناصرها المعمارية لمزيد من التلف وتتحول إلى واحدة من القباب المندرسة التي فقدت ملامحها الأصلية.

شاهد معماري ينتظر الإنقاذ

وبين طوب يعود إلى قرون إسلامية مبكرة، وإضافات مملوكية، ومحراب كان مختبئًا تحت الرديم، ولوح رخامي يحمل دعاءً للزائرين، تختزل قبة السيدة زينب بنت الحنفية جانبًا مهمًا من تاريخ القاهرة الإسلامية.

ويبقى السؤال المطروح: هل تحظى هذه القبة النادرة بما تستحقه من توثيق وتسجيل وترميم، أم يستمر تدهورها حتى تفقد جانبًا من ملامحها التي صمدت أمام قرون من الزمن؟

 

تم نسخ الرابط