لم تكن مجرد فازة.. نقش صغير يكشف قصة ملك وملكة من الأسرة الثامنة عشرة
في عالم الآثار المصرية، لا ترتبط قيمة القطع الأثرية بحجمها أو ضخامة المكان الذي عُثر عليها فيه، فبعض القطع الصغيرة تستطيع أن تحمل بين تفاصيلها أسماء الملوك والملكات، وتكشف جوانب من الحياة داخل القصر الملكي، وتقدم صورة عن براعة الفنان المصري القديم.
ومن بين هذه القطع تأتي فازة مصنوعة من حجر الألباستر «الكالسيت»، تحمل نقوشًا هيروغليفية تتضمن اسم الملك أمنحتب الثالث واسم زوجته الملكة تي، لتصبح قطعة فنية تحمل في تفاصيلها جانبًا من تاريخ الأسرة الثامنة عشرة.
قطعة من عصر الأسرة الثامنة عشرة
عاش أمنحتب الثالث خلال واحدة من أكثر الفترات ازدهارًا في تاريخ مصر القديمة، وهي فترة شهدت نشاطًا معماريًا وفنيًا واسعًا، إلى جانب اتساع العلاقات المصرية مع العالم الخارجي.
وكانت الملكة تي شخصية بارزة إلى جوار الملك، وتمتعت بمكانة استثنائية داخل البلاط الملكي، وظهرت في العديد من الآثار والنقوش إلى جانب زوجها.
ولهذا فإن العثور على قطعة تحمل اسميهما معًا يمنحها قيمة تاريخية وفنية إضافية.
من مقبرة يويا وتويا إلى عالم الآثار
عُثر على الفازة ضمن مكتشفات مقبرة يويا وتويا في وادي الملوك بالأقصر.
وتكتسب هذه المقبرة أهمية خاصة لأنها تخص يويا وتويا، والدي الملكة تي، وقد كشفت محتوياتها عن المكانة الرفيعة التي وصل إليها صاحباها داخل المجتمع الملكي خلال الأسرة الثامنة عشرة.
ولم تكن المقبرة مجرد مكان للدفن، وإنما أصبحت مع اكتشافها مصدرًا مهمًا لفهم جوانب من الحياة والمعتقدات والفنون المرتبطة بالنخبة المصرية في ذلك العصر.
لماذا اختار المصري القديم الألباستر؟
كان الألباستر المصري، أو حجر الكالسيت، من الأحجار المفضلة لدى الفنانين والحرفيين في مصر القديمة.
ويتميز الحجر بلونه الفاتح ومظهره الناعم، كما يمكن نحته وتشكيله بسهولة نسبية، ثم صقله للحصول على سطح شديد النعومة.
ومن أهم خصائصه أيضًا قدرته على السماح بمرور قدر محدود من الضوء، ما يمنح بعض القطع المصنوعة منه مظهرًا شبه شفاف.
ولهذا استخدم المصريون القدماء الكالسيت في صناعة العديد من الأواني والأوعية والقطع المرتبطة بالطقوس الجنائزية والاحتفالية.
عندما تتحول الفازة إلى وثيقة تاريخية

قد تبدو الفازة في ظاهرها مجرد إناء جميل، لكن النقوش الموجودة عليها تجعلها أكثر من ذلك بكثير.
فالخرطوش الملكي لا يمثل مجرد زخرفة، وإنما يحمل اسم صاحب السلطة، بينما يربط اسم الملكة تي القطعة بشخصية ملكية كان لها حضور قوي في عصرها.
وهكذا أصبح الإناء نفسه وسيلة لحفظ الأسماء عبر آلاف السنين.
براعة الفنان المصري القديم
تكشف الفازة عن قدرة الفنان المصري القديم على الجمع بين جمال المادة ودقة الصناعة والكتابة الهيروغليفية.
فالفنان لم يكن يتعامل مع الحجر باعتباره مادة خام فقط، بل كان يستفيد من خصائصه الطبيعية ويعمل على إبراز جماله من خلال الصقل والتشكيل.
ثم تأتي الكتابة لتضيف بعدًا آخر إلى القطعة، فتحولها من عمل فني إلى سجل يحمل معلومات تاريخية.
الملك أمنحتب الثالث.. عصر الازدهار
ارتبط عهد أمنحتب الثالث بازدهار كبير في العمارة والفنون، وشهدت فترة حكمه إقامة العديد من المشروعات والمنشآت الضخمة.
كما ازدهرت خلال عهده صناعة التماثيل والأواني والقطع الفنية، وظهرت أساليب فنية اتسمت بالدقة والاهتمام بالتفاصيل.
وتأتي الفازة ضمن هذا السياق الفني، لتقدم مثالًا على مستوى الحرفية الذي وصل إليه صناع التحف في عصر الدولة الحديثة.
الملكة تي.. ملكة ذات حضور استثنائي
أما الملكة تي، فلم تكن مجرد زوجة للملك، وإنما كانت واحدة من أشهر الملكات في التاريخ المصري القديم.
وتظهر أهميتها في كثرة الآثار التي تحمل اسمها أو صورتها، فضلًا عن حضورها في المشاهد الملكية والنقوش.
وكانت مكانتها داخل البلاط واضحة حتى في الفترة التي حكم فيها أمنحتب الثالث، وهو ما يجعل القطع التي تجمع اسميهما ذات قيمة خاصة بالنسبة للباحثين.
قطعة صغيرة.. حكاية كبيرة
تكشف هذه الفازة كيف يمكن لقطعة صغيرة الحجم أن تختصر صفحات طويلة من التاريخ.
فمن حجر الألباستر نتعرف على مهارة الصناع، ومن النقوش نعرف أسماء الملك والملكة، ومن مكان العثور عليها نقترب من عالم يويا وتويا ومكانتهما داخل البلاط الملكي، ومن الفترة التاريخية نرى جانبًا من ازدهار الأسرة الثامنة عشرة.
وهكذا لا تصبح الفازة مجرد إناء قديم، وإنما شاهدًا على عصر كامل.
شاهد على حضارة حفظت أسماءها
بعد آلاف السنين، لا تزال أسماء أمنحتب الثالث والملكة تي حاضرة على قطعة صنعتها أيدي فنان مصري قديم.
وهذه هي إحدى أهم خصائص الآثار المصرية؛ أن القطعة لا تحفظ شكلها فقط، وإنما تحمل معها اسمًا وتاريخًا وقصة وهوية.
ومن فازة صغيرة من الألباستر إلى المعابد والتماثيل والمقابر الملكية، ترك المصري القديم وراءه تراثًا استطاع أن يتحدى الزمن، ليصل إلينا اليوم شاهدًا على حضارة جعلت من الفن وسيلة لتسجيل التاريخ وتخليد أصحاب الأسماء الملكية.


