رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

هل كانت «مصابيح دندرة» كهرباء فرعونية؟.. الحقيقة التي يؤكدها علماء الآثار

مصابيح دندرة
مصابيح دندرة

منذ سنوات، تتكرر على مواقع التواصل الاجتماعي مزاعم مثيرة تقول إن المصريين القدماء سبقوا العالم في اكتشاف الكهرباء، مستندة إلى ما يُعرف باسم "مصابيح دندرة"، وهي نقوش يعتقد البعض أنها تمثل مصابيح كهربائية وأسلاكًا ومولدات للطاقة. ورغم الانتشار الواسع لهذه الفكرة، فإن علماء المصريات يؤكدون أن الحقيقة مختلفة تمامًا، بل إنها أكثر عمقًا وإبهارًا من تلك الروايات المتداولة.

ومن أبرز الأدلة التي تكشف حقيقة هذه الرموز قطعة أثرية محفوظة في متحف الأشموليان بجامعة أكسفورد، وهي لوحة من الحجر الجيري عُثر عليها في معبد قفط، وتعود إلى عصر الانتقال الثاني. وتُظهر اللوحة الإله المصري القديم «منو»، إله الخصوبة والقوة والتجدد، في هيئة ملكية مهيبة، بينما تظهر أمام وجهه علامتان اعتقد البعض أنهما تشبهان ما يُعرف بـ«مصابيح دندرة».

بين العلم والخيال.. قراءة أثرية صحيحة لواحدة من أشهر أساطير مصر القديمة

غير أن القراءة العلمية للنقوش الهيروغليفية تثبت أن هذين الشكلين ليسا مصابيح أو أدوات تقنية، وإنما علامتان كتابيتان تحملان اسم «إترت»، وهو مصطلح يعني «الأرض» أو «المقصورة». 

وعندما تتكرر العلامة مرتين تُقرأ «إترتي»، أي «المقصورتان»، في إشارة رمزية إلى المقصورتين الشرقية والغربية، وهو مفهوم يرتبط بوحدة مصر العليا والسفلى، أو ما عُرف في الفكر المصري القديم بفكرة «سما تاوي»؛ أي توحيد الأرضين تحت سلطة الملك.

ويكشف هذا التفسير جانبًا مهمًا من طبيعة الكتابة المصرية القديمة، إذ لم تكن الهيروغليفية مجرد حروف أو كلمات، بل كانت نظامًا متكاملًا يجمع بين اللغة والصورة والرمز والعقيدة. لذلك فإن فهم أي نقش يتطلب قراءة سياقه الديني والتاريخي، وليس الاكتفاء بالتشابه البصري مع أدوات حديثة.

كما يلفت الباحثون إلى أن ظهور الثعبان داخل هذه المشاهد لا علاقة له بالكهرباء، بل يمثل رمزًا دينيًا متكررًا في العقيدة المصرية القديمة. فقد ارتبط الثعبان بفكرة الميلاد والخلق والتجدد، ويظهر في عدد من النصوص والمناظر وهو يخرج من زهرة اللوتس، في إشارة إلى ولادة الشمس وبداية الخليقة. 

وتظهر هذه الفكرة بوضوح أيضًا في مشاهد معبد دندرة المرتبطة بالإله «حور سماتاوي»، حيث تعبر المناظر عن مفاهيم كونية ودينية معقدة تتعلق بالخلق واستمرار الحياة.

هل سبق الفراعنة عصرهم بالكهرباء؟.. نقش أثري يحسم الجدل

أما ما يُعرف إعلاميًا باسم «مصابيح دندرة»، فهو في الحقيقة أحد أكثر الموضوعات التي تعرضت لسوء الفهم خارج الأوساط العلمية.

 فالشكل الذي يراه البعض مصباحًا كهربائيًا يفسره علماء المصريات على أنه تصوير رمزي لثعبان يخرج من زهرة اللوتس داخل شكل بيضاوي يمثل قوى الخلق والنور الإلهي، بينما يمثل العمود الموجود أسفله رمز «جد»، أحد أهم رموز الثبات والاستقرار في العقيدة المصرية القديمة.

ويؤكد علماء الآثار أن الحضارة المصرية لم تترك أي دليل أثري على وجود أسلاك كهربائية أو مولدات أو بطاريات أو أي تقنيات مشابهة لما نعرفه اليوم.

 وفي المقابل، تركت آلاف النصوص والنقوش التي تشرح فلسفتها الدينية والكونية بدقة، وهو ما يجعل تفسير هذه المناظر في إطارها العقائدي أكثر اتساقًا مع الأدلة الأثرية والعلمية.

وتبرز هذه القطعة الأثرية من معبد قفط باعتبارها مثالًا مهمًا على ضرورة قراءة الحضارة المصرية القديمة بعين الباحث، لا بعين الخيال.

الحقيقة أقوى من الأسطورة.. لماذا لا تثبت نقوش دندرة وجود الكهرباء؟

 فالإبداع الحقيقي للمصري القديم لم يكن في امتلاك تكنولوجيا مجهولة، وإنما في قدرته على بناء منظومة فكرية ودينية وفنية متكاملة، استخدمت الرمز والصورة لتجسيد أفكار معقدة عن الخلق والكون والسلطة والحياة والموت، وهي إنجازات لا تزال تبهر العالم حتى اليوم.

لقد أثبتت الدراسات الأثرية أن عظمة الحضارة المصرية لا تحتاج إلى أساطير أو مبالغات لتزداد قيمة، فالحقيقة وحدها تكفي لتكشف حضارة استطاعت قبل آلاف السنين أن تبتكر فنًا وعمارة وعلومًا وإدارة ما زالت موضع دراسة وإعجاب حتى العصر الحديث.

تم نسخ الرابط