نفرتيتي، التمثال الذي هزم الزمن وأشعل معركة عالمية لا تزال مستمرة حتى اليوم
في إحدى قاعات متحف برلين الجديد، تقف امرأة مصرية صامتة منذ أكثر من 3300 عام، لكنها ما زالت قادرة على خطف أنظار ملايين الزائرين وإثارة الجدل في الأوساط الأثرية والسياسية والثقافية حول العالم.
ويعد تمثال الملكة نفرتيتي، أحد أشهر الأعمال الفنية التي أبدعتها الحضارة المصرية القديمة، حتى أصبح رمزًا عالميًا للجمال والكمال الفني، وواحدًا من أكثر الآثار المصرية المطالب باستعادتها.
لم تكن نفرتيتي مجرد ملكة جلست إلى جوار زوجها أخناتون، بل لعبت دورًا سياسيًا ودينيًا بارزًا
لم تكن نفرتيتي مجرد ملكة جلست إلى جوار زوجها أخناتون، بل لعبت دورًا سياسيًا ودينيًا بارزًا خلال واحدة من أكثر الفترات إثارة في تاريخ مصر القديمة، عندما شهدت البلاد ثورة دينية غيرت شكل العبادة، واتخذت مدينة تل العمارنة عاصمة جديدة للمملكة.ومن قلب تلك المدينة خرج التمثال الأشهر.

عام 1912، وبينما كانت بعثة أثرية ألمانية تنقب في ورشة الفنان الملكي تحتمس، عثر علماء الآثار على التمثال النصفي المصنوع من الحجر الجيري والمغطى بطبقات دقيقة من الجص الملون، ليكشف عن وجه يتمتع بتناسق مذهل، وملامح هادئة، وعينين آسرتين... رغم أن إحدى العينين لم تُستكمل قط.
ومنذ اللحظة الأولى، أدرك الجميع أنهم أمام تحفة فنية استثنائية، ليست مجرد تمثال، بل عمل يكشف مدى التقدم الذي وصل إليه الفن المصري القديم في النحت والتلوين ودقة التعبير عن ملامح الإنسان.
ورغم مرور أكثر من قرن على اكتشافه، لا يزال الغموض يحيط بالتمثال.
لماذا لم تُركب العين اليسرى؟ وهل كان التمثال نموذجًا تدريبيًا داخل ورشة النحات؟ أم أنه اكتمل بهذه الصورة عمدًا؟ أسئلة ما زالت تثير نقاشًا بين علماء الآثار حتى اليوم.لكن الجدل الأكبر لم يكن حول التمثال نفسه، وإنما حول مكان وجوده.
فالتمثال استقر في ألمانيا منذ اكتشافه، بينما تؤكد مصر مرارًا أنه خرج من البلاد في ظروف تاريخية محل خلاف، وطالبت على مدار سنوات طويلة بعودته باعتباره جزءًا أصيلًا من التراث المصري، في حين تتمسك السلطات الألمانية ببقائه ضمن مقتنيات متحف برلين الجديد.
وبين مطالبات الاسترداد والرفض الألماني، تحول تمثال نفرتيتي إلى أحد أشهر رموز قضية استعادة الآثار المصرية الموجودة بالخارج.
ورغم كل هذا الجدل، يبقى الوجه الهادئ للملكة المصرية شاهدًا على عبقرية الفنان المصري القديم، الذي استطاع قبل أكثر من ثلاثة وثلاثين قرنًا أن يصنع عملًا فنيًا ما زال العالم يقف أمامه منبهرًا حتى اليوم.
ولعل هذا هو السر الحقيقي وراء شهرة نفرتيتي
ليس جمالها وحده، بل قدرتها على البقاء حاضرة في ذاكرة الإنسانية، وكأن الزمن توقف أمام ابتسامتها الهادئة، رافضًا أن يطوي صفحة واحدة من حكايتها.





