رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

مسلة الكونكورد، السفير الفرعوني الشامخ في قلب العاصمة الفرنسية

مسلة الكونكورد
مسلة الكونكورد

بينما يكتظ الجناح المصري في متحف اللوفر بآلاف الكنوز الاستثنائية، مثل "الكاتب الجالس" و"زودياك دندرة"، تظل هناك قطعة أثرية مصرية فريدة لم تحتجزها جدران المتاحف، بل اعتلت الفضاء المفتوح لأشهر ساحات باريس، لتصبح رمزًا بصريًا خالدًا للعاصمة الفرنسية.

إنها مسلة الأقصر، المعروفة باسم "مسلة الكونكورد"، التي انتقلت من معبد الأقصر لتستقر في قلب ميدان الكونكورد، وتصبح أقدم نصب تذكاري يزين "مدينة النور.

هدية سياسية وتحدٍ هندسي غير مسبوق

يعود تاريخ وجود المسلة في فرنسا إلى عام 1830، عندما قرر والي مصر محمد علي باشا إهداء ملك فرنسا لويس فيليب الأول مسلتي معبد الأقصر، في إطار العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتقديرًا للدور الذي لعبه العالم الفرنسي جان فرنسوا شامبليون في فك رموز الكتابة الهيروغليفية.

لكن نقل هذه الكتلة الجرانيتية العملاقة لم يكن مهمة سهلة، إذ يبلغ ارتفاعها نحو 23 مترًا، بينما يصل وزنها إلى حوالي 227 طنًا.ولإنجاز هذه المهمة، صُممت سفينة فرنسية خاصة حملت اسم "الأقصر"، نقلت المسلة من صعيد مصر عبر نهر النيل، ثم البحر المتوسط، وصولًا إلى نهر السين في باريس، في رحلة استغرقت ما يقرب من ثلاث سنوات، بين عامي 1831 و1833.

وبسبب الصعوبات الهندسية والتكاليف الباهظة التي صاحبت نقل المسلة الأولى، تخلت فرنسا عن فكرة نقل الثانية، التي لا تزال قائمة أمام معبد الأقصر حتى اليوم.

من ميدان الإعدامات إلى رمز للسلام

لم يكن اختيار ميدان الكونكورد مكانًا للمسلة مصادفة.

فهذا الميدان كان مسرحًا لأحداث دامية خلال الثورة الفرنسية، حيث نُصبت فيه المقصلة التي أُعدم عليها الملك لويس السادس عشر والملكة ماري أنطوانيت، إلى جانب مئات الشخصيات الأخرى.

وعندما نُصبت المسلة في الميدان عام 1836، أراد الملك لويس فيليب أن يمنح المكان رمزًا يوحد الفرنسيين بعيدًا عن صراعات الماضي، فتحولت المسلة المصرية إلى علامة للسلام والاستقرار، وشهد أكثر من 200 ألف شخص مراسم رفعها في حدث تاريخي غير مسبوق.

رسائل محفورة في الجرانيت

تتكون المسلة من الجرانيت الوردي المستخرج من محاجر أسوان، وتحمل على جوانبها الأربعة نقوشًا هيروغليفية تمجد الملك رمسيس الثاني، وتصوره وهو يقدم القرابين للإله آمون رع، لتظل هذه النقوش شاهدة على قوة الدولة المصرية في عصر الأسرة التاسعة عشرة.

أما القاعدة الأصلية للمسلة

التي كانت تحمل تماثيل أربعة قرود "بابون" ترفع أيديها لتحية شروق الشمس، فقد فُصلت عنها قبل نصبها في باريس، وتُعرض اليوم داخل متحف اللوفر.

سفير الحضارة المصرية في أوروبا

منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، تقف مسلة الأقصر شاهدة على عبقرية المصري القديم. وبينما بقيت شقيقتها أمام معبد الأقصر، تواصل هي الوقوف في قلب باريس، محاورةً برج إيفل وقوس النصر، لتؤكد أن الحضارة المصرية لم تعبر الحدود بقطعها الأثرية فقط، بل برسائلها الإنسانية التي ما زالت تلهم العالم حتى اليوم.

تم نسخ الرابط