رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

غربة كنوز مصرية، حكاية 110 آلاف أثر مصري في المتحف البريطاني

غربة الكنوز.. حكاية
غربة الكنوز.. حكاية 110 آلاف أثر مصري في المتحف البريطاني

بين رذاذ العاصمة البريطانية وأجوائها اللندنية الكلاسيكية، يرتفع مبنى المتحف البريطاني شامخًا في قلب منطقة بلومزبري.

 لكن بمجرد أن تطأ قدماك البهو العظيم وتتجه نحو قسم مصر القديمة والسودان، تختفي لندن تمامًا، لتجد نفسك في رحلة عبر آلاف السنين داخل واحدة من أكبر وأغنى المجموعات الأثرية المصرية خارج أرض النيل.

يضم الجناح المصري بالمتحف البريطاني أكثر من 110 آلاف قطعة أثرية تمثل مختلف مراحل الحضارة المصرية، بدءًا من عصور ما قبل الأسرات قبل نحو ستة آلاف عام، مرورًا بعصور الدولة القديمة والوسطى والحديثة، وصولًا إلى العصرين القبطي والإسلامي.

 ورغم ضخامة هذه المجموعة، فإن ما يُعرض للجمهور لا يتجاوز نحو 4% فقط من إجمالي المقتنيات، بينما تبقى عشرات الآلاف من القطع محفوظة داخل المخازن وقاعات الدراسة.

القاعة رقم 4.. صدمة اللقاء الأول

تبدأ الرحلة داخل القاعة رقم 4، أكبر قاعات القسم المصري، والمخصصة للمنحوتات الفرعونية العملاقة. ويمنح الارتفاع الشاهق للسقف والإضاءة الهادئة القطع المعروضة حضورًا استثنائيًا.

هنا يستقبل الزائر التمثال النصفي الضخم للملك رمسيس الثاني

يعرف هذا التمثال بإسم “رمسيس الشاب”، بابتسامته الغامضة التي قاومت عوامل الزمن لآلاف السنين. وإلى جواره تقف تماثيل الملك أمنحتب الثالث، شاهدة على ذروة الإبداع الفني الذي بلغته الدولة الحديثة.

حجر رشيد.. الشفرة التي أعادت مصر إلى الحياة

في زاوية خاصة من القاعة، يتجمع الزوار يوميًا أمام واجهة زجاجية تحمي حجر رشيد، القطعة الأثرية الأشهر في المتحف البريطاني.

ويعود الحجر إلى عام 196 قبل الميلاد، ويحمل نص واحد بثلاثة خطوط كتابية؛ الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية القديمة، وهو ما أتاح للعالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون فك رموز الكتابة المصرية القديمة عام 1822، لتولد من جديد علوم المصريات الحديثة.

رحلة إلى العالم الآخر

بالصعود إلى الطابق العلوي، وتحديدًا إلى القاعتين 62 و63، يدخل الزائر عالم المصري القديم المرتبط بالموت والبعث والخلود.

وتضم القاعات مجموعة كبيرة من المومياوات والتوابيت، من بينها مومياوات جبلين التي تعود إلى عصر ما قبل الأسرات، والتي حفظتها الرمال الصحراوية طبيعيًا قبل معرفة المصريين بطرق التحنيط المعقدة.

كما تعرض القاعة 61 جداريات مقبرة نب آمون الشهيرة، التي استعادت ألوانها الأصلية بعد أعمال ترميم طويلة، لتكشف تفاصيل مدهشة عن الحياة اليومية قبل أكثر من 3300 عام، من حفلات الموسيقى والرقص إلى مشاهد الصيد بين نباتات البردي.

بين الانبهار والحنين

داخل الجناح المصري، تتباين المشاعر بين زواره، فالأجنبي يقف منبهرًا أمام روائع الحضارة المصرية، بينما يتوقف كثير من المصريين والعرب أمام القطع الأثرية بنظرات تحمل شيئًا من الحنين والحسرة.

فقد وصلت نسبة كبيرة من هذه القطع، وعلى رأسها حجر رشيد، إلى بريطانيا بعد هزيمة الحملة الفرنسية في مصر عام 1801، أو عبر تجارة الآثار التي ازدهرت خلال القرن التاسع عشر في ظل النفوذ الاستعماري الأوروبي.

وفي المقابل، يتمسك المتحف البريطاني بقانون المتحف الصادر عام 1963، الذي يقيد قانوني إمكانية التخلي عن مقتنياته، بينما تستمر المطالبات المصرية الرسمية باستعادة عدد من القطع البارزة، وفي مقدمتها حجر رشيد.

ويبقى الجناح المصري في المتحف البريطاني أشبه بـ"مصر أخرى" تقيم على ضفاف نهر التايمز؛ آلاف القطع التي غادرت موطنها الأصلي، لكنها ما زالت تروي للعالم قصة حضارة استطاعت أن تهزم الزمن، حتى وإن عاشت كنوزها في غربة امتدت لقرون.

تم نسخ الرابط