دماء على العرش الذهبي.. القصة الكاملة للموت الغامض للملك توت عنخ آمون
رغم مرور أكثر من قرن على اكتشاف مقبرته الأسطورية عام 1922، لا يزال "الفرعون الذهبي" توت عنخ آمون يتصدر المشهد العالمي، ليس فقط بفضل بريق مقتنياته، بل بسبب النهاية الغامضة والمفاجئة لحياته في سن التاسعة عشرة، نحو عام 1323 قبل الميلاد.
ولعقود طويلة، ظلت فرضية الاغتيال السياسي والضربة الغادرة تهيمن على مخيلة المؤرخين، حتى تدخل العلم الحديث بأدواته المخبرية المتطورة من أشعة مقطعية وفحوصات جينية، ليعيد رسم سيناريو اللحظات الأخيرة في حياة الملك الشاب، ويقلب أوراق القضية رأسًا على عقب.

أصابع الاتهام.. من قتل الفرعون؟
بدأت الشبهات الجنائية تحيط بوفاة توت عنخ آمون عام 1968، عندما كشفت أول أشعة إكس (X-ray) أُجريت للمومياء عن وجود تجويف داكن وشظايا عظمية متحركة في مؤخرة الجمجمة.
وسارع بعض الخبراء حينها إلى تفسير ذلك بأنه نتيجة ضربة قوية بآلة حادة تلقاها الملك من الخلف أثناء نومه أو في غفلة منه.وانحصرت دوافع الجريمة في الصراع على السلطة، وتحديدًا حول شخصيتين من المقربين للبلاط الملكي:
الوزير "آي"
رجل الدولة العجوز الذي طالما أدار شؤون البلاد من خلف الستار، واعتلى العرش مباشرة بعد وفاة الملك، بل وتزوج من أرملته الملكة عنخ إس إن آمون.
القائد "حور محب"
القائد العسكري الطموح الذي تولى حكم مصر في مرحلة لاحقة، وعمد إلى إسقاط فترة حكم توت عنخ آمون من بعض السجلات الرسمية، الأمر الذي عزز الشكوك حول احتمال تورطه في مؤامرة للاستيلاء على العرش.

العلم الحديث يبرئ المشتبه بهم
في عام 2005، خضعت المومياء لفحص دقيق باستخدام تقنية التصوير المقطعي ثلاثي الأبعاد (CT Scan)، لتأتي النتائج وتنسف نظرية المؤامرة من جذورها عبر حقيقتين علميتين مهمتين.
سلامة الجمجمة
أثبت الفحص أن الكسر الموجود في مؤخرة الرأس لم يحدث والملك على قيد الحياة، بل يرجح أنه نتج عن خطأ ارتكبه المحنطون القدماء أثناء صب الراتنج المستخدم في التحنيط، أو بسبب تعامل بعثة هوارد كارتر مع المومياء خلال محاولتها فصل القناع الذهبي الملتصق بالجسد.

لغز الفخذ المكسور
في المقابل، كشفت الأشعة عن كسر حاد وغير ملتئم في عظمة الساق اليسرى فوق الركبة مباشرة. وبما أن مواد التحنيط تسربت إلى داخل الكسر، فقد تأكد العلماء أن الإصابة وقعت قبل وفاة الملك بفترة قصيرة، ربما لم تتجاوز بضعة أيام.
مأساة طبية.. ما وراء السقوط الأخير؟
مع استبعاد فرضية القتل العمد، اتجهت الأبحاث نحو السيناريوهات الطبية التي ربما تسببت في هذه الوفاة المبكرة، حيث تضافرت الإصابة الجسدية مع الحالة الصحية الهشة للملك.
حادث العربة الحربية
يرجح بعض الباحثين أن توت عنخ آمون، الذي كان مولعًا بالصيد والأنشطة الخارجية، تعرض لسقوط عنيف من فوق عربة ملكية أثناء تحركها بسرعة، ما أدى إلى إصابته بكسر خطير في ساقه.
وفي ظل غياب المضادات الحيوية والرعاية الطبية الحديثة، ربما أصيبت الجروح بعدوى حادة تطورت إلى تسمم دموي قاتل.

الهشاشة الجينية والملاريا
كشفت تحاليل الحمض النووي (DNA) التي أُجريت ضمن المشروع القومي لدراسة المومياوات الملكية أن الفرعون الشاب كان يعاني من مشكلات صحية مرتبطة بزواج الأقارب داخل الأسرة الحاكمة، من بينها اضطرابات عظمية وتشوهات في القدم جعلته يعتمد على العصي أثناء المشي.
كما أظهرت التحاليل وجود آثار لطفيل الملاريا في أنسجته، ما يشير إلى إصابته بنوبة من الملاريا الحادة، وهو ما قد يكون أضعف مناعته وجعل جسده غير قادر على مقاومة آثار الإصابة والعدوى.
إسدال الستار
تميل غالبية الدراسات الأثرية والطبية اليوم إلى أن وفاة توت عنخ آمون لم تكن نتيجة مؤامرة دموية داخل القصر الملكي، بل كانت مأساة صحية معقدة اجتمع فيها كسر خطير في الساق مع حالة جسدية ضعيفة وإصابة محتملة بالملاريا.

ورغم ذلك، يبقى الفرعون الذهبي أحد أكثر شخصيات التاريخ المصري القديم إثارة للجدل، تاركًا وراءه لغزًا لا يزال يستحوذ على اهتمام العلماء والزوار من مختلف أنحاء العالم.





