تل كوم عزيزة يبوح بأسراره.. 600عام من طقوس الدفن تحت رمال البحيرة
المحتويات
في اكتشاف أثري جديد يفتح نافذة واسعة على المعتقدات والعادات الجنائزية في مصر القديمة، نجحت البعثة الأثرية العاملة بموقع تل كوم عزيزة بمحافظة البحيرة في الكشف عن مجموعة من المدافن البشرية واللقى الأثرية التي تعود إلى العصرين اليوناني والروماني، موثقة تطور طقوس الدفن على مدى يقرب من ستة قرون، ومقدمة أدلة مهمة حول التحولات التي شهدها الموقع عبر تاريخه الطويل.
مدافن فردية وأخرى جماعية

وكشفت أعمال التنقيب عن تنوع لافت في أساليب الدفن، حيث عثر على قبور بسيطة حفرت مباشرة في الأرض، وأخرى شيدت جدرانها بالطوب اللبن، فضلًا عن دفنات داخل توابيت مصنوعة من الملاط ومزينة بطبقات من الألوان.
كما ضم الموقع مدافن فردية وأخرى جماعية، واختلفت اتجاهات الدفن بين المحورين الشمالي–الجنوبي والشرقي–الغربي، بما يعكس تعدد التقاليد الجنائزية التي مورست في المكان.
الوضعية الأوزيرية بأذرع متقاطعة فوق الصدر
ولم تقتصر الاختلافات على أشكال المقابر، بل امتدت إلى أوضاع الأجساد داخلها؛ إذ دُفن بعض الموتى بأيدي مطوية فوق منطقة الحوض، بينما وُضع آخرون في ما يُعرف بـالوضعية الأوزيرية بأذرع متقاطعة فوق الصدر، في إشارة رمزية إلى المعبود أوزير سيد العالم الآخر في العقيدة المصرية القديمة، في حين وُضعت أذرع بعض المتوفين بمحاذاة الفخذين.

ويرى الأثريون أن هذا التنوع قد يكون انعكاسًا لفروق اجتماعية بين المدفونين، أو لاختلافات في الطقوس والمعتقدات، أو نتيجة تطور تدريجي داخل التقليد الجنائزي نفسه.
كشف نادر..هيكلين عظميين كاملين لخنزيرين بريين
ومن بين أبرز الاكتشافات العثور على هيكلين عظميين كاملين لخنزيرين بريين، وهو كشف نادر في الجبانات المصرية القديمة. وتكتسب هذه البقايا أهمية خاصة لارتباط الخنزير البري بالمعبود «ست»، إله الفوضى والعنف في الميثولوجيا المصرية.
وبينما لا يزال من المبكر تحديد ما إذا كانت هذه الحيوانات قد دُفنت عمدًا لأغراض طقسية، أو كانت بقايا نشاط اقتصادي ومعيشي، فإن وجودها داخل سياق جنائزي يطرح تساؤلات جديدة حول الممارسات الدينية والرمزية في تلك الفترة.
أواني أمفورات وجرارًا جنائزية وقوالب وأواني لصناعة الخبز
كما عثرت البعثة على شظايا فخارية تعود إلى عصور مختلفة، بدءًا من الدولة القديمة، زمن تشييد الأهرامات الكبرى، وصولًا إلى العصرين اليوناني والروماني بعد نحو ألفي عام.

وشملت المكتشفات أواني أمفورات، وجرارًا جنائزية، وقوالب وأواني لصناعة الخبز، وهي لقى تؤكد أن الموقع شهد استخدامًا متواصلًا أو متكررًا عبر آلاف السنين، وليس مجرد قرون معدودة.
ولا تزال أعمال الحفر والتنقيب مستمرة في تل كوم عزيزة، وسط آمال بالكشف عن مزيد من الأسرار التي تساعد في إعادة رسم تاريخ الموقع وفهم أنماط النشاط البشري التي شهدتها منطقة دلتا النيل، لتبقى الأرض المصرية قادرة على مفاجأة العلماء باكتشافات جديدة تعيد قراءة صفحات من تاريخ الحضارات القديمة.






