رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

15 طنًا من التاريخ مقلوبة على الأرض.. ماذا يحدث لكتل الكرنك؟

كتل الكرنك
كتل الكرنك

 

أثارت صور لعدد من الكتل الأثرية داخل صالة الأعمدة الكبرى بمعبد الكرنك في الأقصر، تساؤلات واسعة حول أسلوب التعامل معها، بعدما ظهرت بعض الكتل ملقاة بصورة مقلوبة داخل أحد أركان المعبد، بينما بدت الأجزاء التي تحمل زخارف وألوانًا أثرية في مواجهة الأرض، بحسب ما تظهره الصور والمعلومات المتداولة بشأن الواقعة.

وتزداد أهمية هذه الكتل بسبب قيمتها الأثرية والفنية، إذ تشير المعلومات المتداولة إلى أن إحداها تزن نحو 15 طنًا تقريبًا، وترتبط بعتب من صالة الأعمدة الكبرى، التي تعد واحدة من أبرز مكونات مجمع معابد الكرنك وأهم شواهد العمارة المصرية القديمة.

ألوان أصلية نادرة تواجه خطر التلف

May be an image of the Great Sphinx of Giza and text

المثير للقلق، وفق المعلومات الواردة، أن بعض هذه الكتل كانت تحتفظ ببقايا من ألوانها الأصلية وزخارفها النادرة، وهي عناصر ذات قيمة استثنائية بالنسبة للباحثين والمتخصصين في دراسة الفن المصري القديم.

فاللون على جدران وكتل المعابد المصرية القديمة لا يمثل مجرد عنصر جمالي، وإنما يحمل قيمة تاريخية وفنية وعلمية، ويساعد المتخصصين على فهم أساليب التصوير والنقش والتلوين التي استخدمها الفنان المصري القديم.

ومن هنا فإن وضع الأسطح المزخرفة والملونة بصورة مباشرة على الأرض قد يثير مخاوف تتعلق بتعرضها للرطوبة والاحتكاك والأتربة والعوامل البيئية المختلفة، وهو ما يستدعي تقييم حالتها من جانب متخصصي الترميم والحفظ.

المفارقة.. النقل للحماية أم خطر جديد؟

وتطرح الواقعة سؤالًا مهمًا حول الطريقة التي جرى بها نقل هذه الكتل ومبررات تغيير أماكنها، خاصة إذا كان الهدف من نقلها هو حمايتها أو إعادة تنظيم المنطقة المحيطة بها.

فأي عملية لتحريك كتلة أثرية ضخمة، خصوصًا إذا كانت تحتوي على نقوش أو ألوان أصلية، تحتاج بطبيعتها إلى تخطيط دقيق ودراسة مسبقة لحالتها، فضلًا عن استخدام وسائل رفع ونقل مناسبة لطبيعة الأثر ووزنه وحالته الإنشائية.

وهنا تظهر أهمية معرفة ما إذا كانت عملية النقل تمت ضمن خطة علمية موثقة، وما المعايير التي جرى على أساسها تحديد طريقة وضع الكتل بعد نقلها، وما الإجراءات التي اتُخذت لحماية الأسطح المزخرفة من الاحتكاك والرطوبة.

هل توجد كتل أخرى تحتاج إلى تدخل؟

May be an image of lumberyard

ولا تتوقف التساؤلات عند الكتل التي ظهرت في الصور، إذ تفتح الواقعة بابًا آخر يتعلق بحالة الكتل الأثرية الموجودة داخل صالة الأعمدة الكبرى والمناطق المحيطة بها.

فهل توجد كتل أخرى تحمل ألوانًا أو نقوشًا أصلية وتحتاج إلى إجراءات عاجلة للحفظ؟ وهل جرى حصر وتوثيق جميع القطع والكتل التي تم نقلها خلال أعمال التطوير أو إعادة تنظيم الموقع؟ وهل توجد تقارير توضح الحالة الفنية لكل كتلة قبل النقل وبعده؟

وهي أسئلة يمكن للجهات الأثرية المختصة الإجابة عنها بصورة دقيقة، خاصة أن توثيق حالة الأثر قبل أي عملية نقل أو ترميم يعد جزءًا أساسيًا من منظومة الحفاظ عليه.

صالة الأعمدة.. ذاكرة حجرية لا تحتمل الخطأ

وتكتسب الواقعة حساسيتها من كونها داخل صالة الأعمدة الكبرى بالكرنك، ذلك المكان الذي يمثل أحد أعظم إنجازات العمارة المصرية القديمة.

وتضم الصالة عشرات الأعمدة الضخمة المزينة بالنقوش والمناظر والكتابات، وتحمل جدرانها وأحجارها سجلاً بصريًا وتاريخيًا بالغ الأهمية عن الملوك والآلهة والطقوس والمناسبات الدينية والسياسية في مصر القديمة.

ولهذا فإن كل كتلة داخل هذا الموقع لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد حجر، فربما تحمل جزءًا من مشهد أو نقش أو لون لا يتكرر في أي مكان آخر.

مطالب بالتدخل والفحص العلمي

May be an image of Stone Henge

وتدفع هذه الصور والمعلومات إلى المطالبة بسرعة فحص الكتل محل الواقعة من جانب لجان أثرية وترميمية متخصصة، وتقييم حالتها الحالية، والتأكد من عدم تعرض الأسطح الملونة أو المزخرفة لأي تلف.

كما تبرز الحاجة إلى مراجعة أسلوب تخزين وتحريك الكتل الأثرية داخل المواقع المفتوحة، والتأكد من أن عمليات النقل تتم وفق قواعد الحفظ والترميم المتعارف عليها، خاصة بالنسبة للقطع ذات الأحجام والأوزان الكبيرة.

وفي حال ثبوت وجود خطر على الألوان أو النقوش، فإن سرعة التدخل تصبح عاملًا مهمًا للحفاظ على ما تبقى منها قبل أن تتفاقم أي مظاهر للتلف.

أسئلة مشروعة تنتظر إجابات

وتطرح الواقعة عددًا من الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة من الجهات المختصة:

لماذا تم نقل هذه الكتل من أماكنها الأصلية؟ وكيف جرى تحديد طريقة وضعها؟ وهل تم توثيق حالتها قبل النقل؟ وهل خضعت العملية لإشراف متخصصين في الترميم؟ وهل توجد كتل أخرى داخل الموقع تحتاج إلى تدخل؟ وهل تعرضت أي كتل لأضرار خلال عمليات النقل أو إعادة التنظيم؟

وطرح هذه الأسئلة لا يعني الجزم بوقوع مخالفة أو إهمال، وإنما يعكس أهمية التحقق العلمي من حالة أثر فريد يقع داخل واحد من أهم المواقع الأثرية في العالم.

الكرنك.. مسؤولية الحفاظ على ذاكرة آلاف السنين

May be an image of the Great Sphinx of Giza

وتظل معابد الكرنك واحدة من أهم الشواهد على عظمة الحضارة المصرية القديمة، وموقعًا لا يمثل فقط قيمة سياحية كبرى، وإنما يحمل ذاكرة تاريخية وفنية تمتد لآلاف السنين.

ومن ثم فإن الحفاظ على كل نقش وكل لون وكل كتلة أثرية داخل الموقع مسؤولية تتطلب أعلى درجات الدقة، لأن أي فقد في عنصر أثري أصلي لا يمكن تعويضه أو استعادته بالصورة نفسها.

ويبقى الأمل في أن تحظى الكتل التي ظهرت في الصور بفحص عاجل من المتخصصين، وأن يتم اتخاذ ما يلزم لضمان سلامتها والحفاظ على ألوانها ونقوشها، حتى تظل شاهدة على براعة الفنان المصري القديم، لا أن تتحول طريقة التعامل معها إلى سبب في فقدان جزء من هذا التراث النادر.

 

تم نسخ الرابط