رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

السرقات شملت أيضا الأحجار

سرقة المقابر..جريمة كبري كانت عقوبتها الإعدام في مصر القديمة

مقبرة مصرية قديمة
مقبرة مصرية قديمة نجت من السرقة

جَرم القانون المصرى القديم السرقة،وشدد العقوبة على سرقات مؤسسات الدولة الدينية وخاصة المقابر،وكانت العقوبة تغلظ إلى الحد الذى يصل بالسارق إلى عقوبة الإعدام أو " عقوبة الموت الكبرى " على حد تعبير النصوص المصرية.

الباحثة منال محمود محمد محمود في رسالة الماجستير الخاصة بها بعنوان"الجريمة والعقاب في مصر القديمة"،قالت أنه نتيجة لعقيدة البعث التي ترسخت في ضمير المصرى القديم واعتقاده أن البعث لا يتم إلا بالحفاظ على الجسد سليما، فقد رأى المجتمع المصرى فى الاعتداء على القبور ونهب محتوياتها جريمة كبرى وبخاصة إذا كان القبر المعتدى عليه والمنهوب لأحد الملوك أو الأمراء أو كبار رجال الدولة.

وكانت هذه القبور نظرا لما تضمه جنباتها من محتويات تشمل أشياء ثمينة من الذهب الخالص وغيرها،تغرى هؤلاء اللصوص دائما باقتحامها والسطو على ما بها من مقتنيات ولاسيما فى فترات تهالك السلطة المركزية،ففى الفترة الأخيرة من حكم رمسيس التاسع انتشرت سرقات الجبانة الملكية.

كما نهب الكثير من الجبانات العامة ووقعت أعمال السلب والنهب في العام ١٦ من حكمه،فتم تسجيلها فى دفتر يوميات دير المدينة، ونعلم من تلك الوثائق أن الوزير " خعموا ست " حاكم طيبة وممثل السلطة الملكية كان يرأس الموظفين المدنيين، كما كان هناك إثنان من العمد يعملان تحت رئاسته و مسئولان عن الجبانة هما " باسر الثالث " عمدة طيبة الشرقية و " بورعا " عمدة طيبه الغربية.

وتشير الوثائق إلي أنه في العام التاسع من حكم رمسيس التاسع تسللت عصابة من اللصوص إلى داخل مقبرة رمسيس السادس،ولكنهم اختلفوا حول تقسيم الغنائم فهدد أحدهم زملاءه بإفشاء سرهم،وكانوا خمسة لصوص ظلوا يحفرون المقبرة على امتداد أربعة أيام،ثم استولوا على كل المقتنيات الثمينة بها ولا تحدد وثائقنا مصيرهم ولكننا نعلم أن عقابهم كان رادعا.

وفي أعقاب ذلك طفقت العصابات تهاجم مقابر ملوك الأسرة السابعة عشرة ومقابر وادى الملكات ، كما اكتشفت لجان الفحص والتحقيق بالجبانة حدوث محاولات لسرقة بعض المقابر الأخرى مثل مقبرتي " انتف الخامس " و " انتف السادس " أما مقبرة " سوبك ام ساف الثانية " فقد دخلها اللصوص وتعرضت جميعها للنهب.

كما اعترف بعض المتهمين الذين اشتركوا في نهب مقبرة " سوبك ام ساف أنهم اعتدوا على التابوت ونهبوا الحلى وأشعلوا النار في المومياء وليشغلوا من يريد تعقبهم من جانب وليخفوا آثار جريمتهم من جانب آخر، وتصرفوا على هذا النحو أيضا مع مقبرة الملكة " نوب خاس " وفي عهد رمسيس الحادى عشر عادت أعمال السلب والنهب إلى وادى الملوك.

فقد سطا اللصوص على مقبرة رمسيس السادس الصخرية وأظهرت التحقيقات أن الأمر لم يقتصر على نهب الحلى والنفائس من المقبرة فحسب بل تجرأ بعضهم على نهب الكفن الجرائم عند المصرى القديم المصنوع من الفضة وانتزعه عنوة من الجسد، وهي جريمة من أبشع ما يكون.

وكما سبق القول فقد شدد القانون العقوبة على من يتجرأ على حرمة قبر المصرى القديم ويسطو عليه، حيث كان القانون يقضى بحكم الإعدام على كل من يقترف مثل هذه الجرائم، ولم تكن هذه العقوبة بخافية على مرتكبى هذه السرقات كما أظهرت وثيقة BM 10052،فيذكر أحد المتهمين في تحقيقات سرقات المقابر الملكية أنه كان يعلم جيدا جزاء اقتراف مثل هذه الجريمة،وقال لقد رأيت العقاب الذي وقع باللصوص في زمن الوزير حعمو است فهل أنا الذي يسبب ذهابه للموت الذي أعرفه.

وأكدت الوثيقة نفسها أن عقوبة الإعدام كانت هي العقوبة الأم المنصوص عليها كعقوبة السارقى القبور وأنها كانت معروفة جيدا لدى العامة فورد على لسان أحد اللصوص فى اعترافه في أثناء التحقيق أنه تشاجر مع زميله وقال له: "قلت له أنك ستذبح بسبب هذه السرقة التى ارتكبتها فى الجبانة فقال لى: إذا ذهبت (للموت) فسأخذك معي".

ومما يؤكد ما ذهبنا اليه أنفا ما ذكره أحد اللصوص من أنه يستحق الموت جزاء ما اقترفه من سرقات المقابر الجبلين وأنه لم يكن في مقابر طيبة في أثناء ما وقع لها من سرقة: "فلتدعوهم يقتلوني من أجل مقابر الجبلين هي التي كنت بداخلها"،كما ورد من خلال نفس الوثيقة على لسان أحد المشتبه فيهم وهو يدرأ عن نفسه التهم الموجهة إليه فيذكر: "هو" قال بعيدا عنى بعيدا عن جسدى، أنا لا أعرف المقابر إنهم رجالى الذين كانوا في الغرب وذهبوا إلى الجبانة هل أنا سأقتل بسبب رجالى، أهي جريمتي ؟!.

وتشير وثيقة Mayer A إلى أن هذه العقوبة وهي عقوبة الموت العظمى قد نفذت فعليا في سبعة من سارقى القبور فذكرت اللصوص الذين لقوا حتفهم ( حرفيا سبب موتهم فوق رأس الخازوق في مقدمتهم سبعة رجال،وقد أشارت وثيقة 124 Salt عهد) رمسيس الثالث) إلى عقوبة أخرى غير عقوبة الإعدام نفذت على لصوص المقابر وهي عقوبة قطع اليد التي تعد أشهر عقوبة معروفة لردع جريمة السرقة،ووردت الإشارة إلى هذه العقوبة عند الحديث عن سرقة عربة الملك سيتي مرنبتاح (أواخر الأسرة التاسعة عشرة من مقبرته وقد اتهم شخصا آخر خطأ بدلا من الجاني الحقيقى الذى كان يشغل وظيفة رئيس العمال بالجبانة ويدعى "بانب " وقد نفذت فيه العقوبة فعلياً.

وتجدر الإشارة إلى أن السرقات لم تنصب على سرقة مقتنيات المقابر الثمينة من ذهب وفضة فحسب،وإنما شملت أيضا أحجار المقابر وهو ما أشارت إليه وثيقة 124 Salt، عندما نصت على اغتصاب أحجار من قبر الملك سيتى مرنبتاح لتستخدم في بناء أعمدة قبر آخر حيث ورد أمر المتهم هنا وهو رئيس العمال للعمال لكي يسرقوا بعض الأحجار: "اتهام" بخصوص أمره إلى العمال بقطع أحجار من مقبرة حرفيا وادى الملوك سيتى مرنبتاح، فهم الذين أخذوها إلى قبره كل يوم، هو شيد أربعة أعمدة في مقبرته من هذه الأحجار.

كما تشير الوثيقة نفسها إلى اتهامات أخرى تتعلق بنهب أدوات البناء الخاصة بالفرعون كالإزميل والمعول لاستخدامها في بناء مقابر أخرى غير ملكية،كما كانت سرقة مقابر الأفراد من الجرائم الموجهة ضد الدولة وتواجه بعقوبة جنائية،فأشارت وثيقة 10496 Berlin إلى رجل قام بالاعتداء على ملكية قبر إحدى الأسر،وقام بنقل مومياء منها.

وأقسم هذا الرجل أمام لجنة التحقيق بالطبع بعد أن قدمت الأسرة صاحبة القبر الواقع عليه الاعتداء شكوى بذلك أنه إذا دخل غرف القبر سيتلقى مائة ضربة وخمسين جرحا مفتوحا، ولا يوجد تسجيل بالنص على تنفيذ العقوبة على المجرم الذي اعتدى على مقابر هذه الأسرة.

ولم نشأ أن نقسم سرقات المقابر إلى ملكية أو عامة (شعبية)، نظرا لأن القانون المصرى القديم اعتبر كل سرقة للمقابر إنما هي موجهة ضد الدولة،ولا عبرة بمن يتذرع أو يحتج بتخفيف العقوبة في سرقة مقابر الأفراد،لأن العقوبة خففت أيضا فى بعض حالات سرقات المقابر الملكية.

ويبدو أن السر فى تخفيف العقوبة من الإعدام أو عقوبة الموت العظمى إلى الحكم المخفف بقطع اليدين أو الضرب بمائة جلدة كان بسبب أن عقوبة الإعدام كانت لأولئك الذين يتعرضون لنبش جثة الميت أو إيذائها فضلا عن السرقة نفسها،وأن السرقة التي تستوجب الإعدام فى القانون المصرى القديم ربما كانت تطبق على أولئك الذين يظهرون وكأنهم جماعات سطو مسلحة لها شكل الكيان المنظم الذي يتهدد أمن الدولة بكاملها.

تم نسخ الرابط