ينسبون إلى السيدة فاطمة الزهراء
الفاطميون في مصر..دولة بدأها جوهر الصقلبي بالمنصورية وحكمت قرنين من الزمان
مرت علي الحضارة الإسلامية عصور مختلفة،وترك كل منها بصمته والكنوز الأثرية التي تميزه، وهو ما يمكن التعرف عليه في المتحف الاسلامي،والذي يضم آلاف الكنوز الأثرية من عصور مختلفة ومنها العصر الفاطمي
نسب الفاطميون دولتهم إلى السيدة "فاطمة الزهراء" ابنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قامت الدولة الفاطمية في شمال أفريقيا عام 297هـ / 909م على يد أول خلفائها "عبيد الله المهدي"، وكانت تدين بالمذهب الشيعي، واعتمدت هذه الدولة في توسيع رقعتها علي الدعاة الشيعة الذين قاموا ببث دعواهم وجذب الناس إليهم، وحاول الفاطميون منذ عهد أول خلفائهم فتح مصر.
ولم يتمكنوا من ذلك إلا بعد ثلاث محاولات انتهت بنجاح القائد "جوهر الصقلبي" الذي أرسله الخليفة المعز لدين الله الفاطمي" عام 358هـ / 969م، وأسس عاصمة جديدة سميت بالمنصورية ومسجدها الجامع الذي سمي بالأزهر، وقد تحول اسم هذه العاصمة عند مجيء المعز لدين الله" إلى مصر فيما بعد إلى القاهرة تيمنًا بالنصر وقهر الأعداء.
ومنذ ذلك التاريخ أصبحت القاهرة وجامعها الأزهر مركزا لنشر المذهب الشيعي، وقد حكم الفاطميون مصر لأكثر من قرنين من الزمان حتى انتهت دولتهم على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي" عام .567هـ/1171م
وعلى الرغم من سيطرة الفاطميين على مقاليد الحكم في مصر طوال تلك الفترة، إلا أنهم لم يستطيعوا تحويل أهل مصر إلى المذهب الشيعي، يؤكد ذلك ما رواه المؤرخ الشهير "ابن الأثير عن امر سقوط هذه الدولة أنه "لم ينتطح فيه عنزان..." اى لم يختلف عليه أحد من المصريين، وقد ترتب على ذلك هجر الجامع الأزهر ونقل خطبة الجمعة منه الى جامع "الحاكم بأمر الله"، وظل ذلك الأمر إلى أن تولى السلطان المملوكى "الظاهر بيبرس البندقداري" الذي أعاد خطبة الجمعة والتدريس مرة ثانية إلى الجامع الأزهر؛ ليصبح منارة لنشر المذهب السني فى العالم الإسلامي منذ ذلك الوقت وحتى وقتنا الحالي.
وقد تميزت حياة البلاط في عصر الخلفاء الفاطميين بالبذخ، حيث كانت قصورهم تتكون من قاعات مفتوحة على أروقة وحدائق، يحيط بها أسوار تتخللها الأبواب، وقد تميزت عمائرهم بالفخامة، حيث عرفت مصر الإسلامية في عهدهم التشييد بالأحجار وزخرفة واجهات المنشآت على نطاق واسع، وكان الخلفاء يخرجون في أبهة وعظمة كي ينالوا إعجاب رعيتهم، وجدير بالذكر أن القصر الشرقي تميز باحتوائه على سكن الخليفة والدواوين، أما القصر الغربي فقد كان مخصصا لولي العهد ونساء الخليفة، كما تم استغلال الساحة الواسعة بين القصرين كمكان لعروض التشريفات الخاصة بالمراسم الفاطمية.
ويُعد العصر الفاطمي إلى جانب ذلك أحد أزهى العصور الإسلامية في مصر، من حيث الثراء والتنوع الفني وقد ظهر انعكاس ذلك على مختلف الفنون التطبيقية، التي امتازت بتنوع موضوعاتها الزخرفية ما بين مناظر البلاط والحياة اليومية، والصيد والطرب والموسيقى، كما زاد الاهتمام أيضًا بالموضوعات مثل لعبة التحطيب الشعبية التي ظهرت بوضوح على التحف الفاطمية.
واهتم الفاطميون كذلك بالأعياد والاحتفالات والمواسم الإسلامية تقربا إلى الشعب المصري، مثل موسم رأس السنة الهجرية، ويوم عاشوراء، والمولد النبوي الشريف، ومولد سيدنا "الحسين"، ومولد السيدة "فاطمة الزهراء"، وتروي لنا المصادر التاريخية كيفية احتفالهم بغرة رمضان، حيث كان الخليفة الفاطمي يرسل في أول يوم من شهر رمضان لجميع الأمراء وغيرهم من أرباب الرتب والخدم لكل واحد طبق ولكل واحد من أولاده ونسائه طبق فيه حلوى، وبوسطه سره من ذهب ولم يغفلوا كذلك الاهتمام بالأعياد المسيحية مثل خميس العدس، ويوم الغطاس.
وكان العصر الفاطمي حلقة ذهبية في تاريخ تطور العلوم لكل من الحضارة الإسلامية والإنسانية على حد سواء، فقد كان بلاط الفاطميين محط رحال العلماء من مشارق الأرض ومغاربها، حيث نبغ العديد منهم مثل؛ الحسن بن الهيثم" وهو أحد علماء الطبيعة في العصر الإسلامي، ويُعد المؤسس الحقيقي لعلم البصريات انتقل من البصرة إلى القاهرة بدعوة من الخليفة "الحاكم بأمر الله" عندما سمع قوله "لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة أو نقصان...".
وبذلك يُعتبر "الحسن بن الهيثم" أول من أشار إلى فكرة تشييد السد العالي. كما اشتغل كذلك كراصد وعالم فلك، بجانب عمله في مجال البصريات الذي نبغ فيه، وقد أدت مؤلفاته في علم البصريات إلى ابتكار العديد من الآلات في العصر الحديث أبرزها كاميرا التصوير.
كما اشتهر كذلك في العصر الفاطمي العالم الفلكية "ابن يونس المصري" الذي قام بأخذ أرصاد دقيقة للشمس والقمر والكواكب بمرصده فوق المقطم، وعليه فقد قام بوضع الزيج الحاكمي نسبة إلى "الخليفة الحاكم بأمر الله " ، والزيج عبارة عن كتاب يتضمن جداول فلكية يُعرف منها سير النجوم، ويُستخرج بواسطتها التقويم، ويعتبر هذا الزيج أكثر دقة من نظيره البطلمي بمدرسة الإسكندرية.
كما عمل "ابن يونس" في علم اللوغريتمات وأبدع فيه. يُنسب إليه معرفة تزايد سرعة القمر، واختراع البندول قبل 600 عام من "جاليليو جاليلي" الذي لا يزال العلماء ينسبون إليه خطأ هذا الاكتشاف، يؤكد ذلك كتابه الذي صنفه في ذلك باسم "الرقاص". وتقديرًا لجهوده الفلكية تم إطلاق اسمه على إحدى مناطق السطح غير المرئي من القمر.





