رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

أسرار جديدة تظهر لأول مرة.. ماذا اكتشفت البعثة المصرية في القنطرة شرق؟

الكشف الأثري
الكشف الأثري

كشف أثري جديد في منطقة القنطرة شرق يفتح نافذة جديدة على تاريخ مصر العسكري والديني، بعدما نجحت بعثة أثرية مصرية عاملة في منطقة تل أبو صيفي في الكشف عن مجموعة مهمة من الشواهد المعمارية واللقى الأثرية التي تلقي الضوء على طبيعة الاستيطان والحياة الدينية والعسكرية في المنطقة عبر عصور مختلفة.

ويكتسب الكشف أهميته من ارتباط الموقع بطريق حورس الحربي، أحد أقدم وأهم الطرق العسكرية والتجارية المنظمة في مصر القديمة، والذي امتد من منطقة القنطرة شرق وصولا إلى الحدود المصرية الشمالية الشرقية، وشهد مرور حملات عسكرية كبرى قادها عدد من ملوك مصر خلال عصر الدولة الحديثة.

كشف أثري جديد يكشف أسرار مدينة مصرية قديمة

وأوضح محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، أن الكشف الجديد يمثل جزءا مهما من مدينة قديمة كانت تقع على طريق حورس الحربي، ويرجح ارتباطها بمدينة مسن، التي كانت إحدى المدن الموجودة على امتداد الطريق.

وأشار إلى أن أهمية الكشف ترجع إلى العثور على كتلة أثرية ضخمة من عصر الملك رمسيس الثاني، تحمل نقوشا تشير إلى أعمال مرتبطة بتمثال للمعبود حورس، الذي كان المعبود الرئيسي للمدينة.

وأضاف أن الشواهد المكتشفة تعزز الترجيحات العلمية بشأن تحديد موقع مدينة مسن، خاصة أن موقع المدينة ظل غير محسوم بشكل واضح لفترات طويلة، لتأتي الاكتشافات الحديثة وتقدم أدلة جديدة تساعد الباحثين على إعادة قراءة تاريخ المنطقة.

ويرتبط الكشف الأثري الجديد بطريق حورس الحربي، الذي امتد لنحو 220 كيلومترا، بداية من منطقة القنطرة شرق، وتحديدا من قلعة سارو، وصولا إلى منطقة رفح وغزة عند الحدود الشمالية الشرقية لمصر.

ويعد طريق حورس من أبرز الطرق التي شهدت حركة عسكرية وتجارية ولوجستية واسعة في مصر القديمة، حيث أقيمت على امتداده مجموعة من القلاع والحصون التي لعبت دورا في تأمين الحدود الشرقية وحماية طرق التجارة والتحركات العسكرية.

وشهد الطريق مرور عدد من الحملات العسكرية الكبرى التي قادها ملوك مصر، ومن بينهم الملك تحتمس الثالث والملك رمسيس الثاني، ما يؤكد مكانته الاستراتيجية في تاريخ مصر القديمة.

معبد حورس يكشف الجانب الديني للموقع

ومن أبرز عناصر الكشف العثور على شواهد مرتبطة بمعبد للمعبود حورس، الذي تشير الأدلة الأثرية إلى أنه كان المعبود الرئيسي للمدينة.

ويشير وجود المعبد وما يرتبط به من عناصر معمارية ونقوش إلى أن الموقع لم يكن مجرد نقطة عسكرية على الطريق، وإنما كان مركزا دينيا واستيطانيا متكاملا، وهو ما يضيف بعدا جديدا إلى فهم طبيعة المدن التي نشأت على طريق حورس.

وتشير الأدلة إلى وجود طرق وممرات كانت تستخدم للوصول إلى المعبد، بما يقدم معلومات مهمة عن تخطيط الموقع وطبيعة الحركة داخله.

شواهد على الاستيطان منذ الدولة الوسطى

ولم تقتصر أهمية الكشف على الجانب الديني والعسكري، إذ كشفت اللقى والشواهد الأثرية عن دلائل على وجود استيطان في الموقع امتد عبر فترات زمنية طويلة.

وتشير المعطيات الأثرية إلى وجود مظاهر للاستيطان منذ عصر الدولة الوسطى، واستمر استخدام الموقع خلال الدولة الحديثة، خاصة خلال الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة، وصولا إلى العصر البطلمي.

ويعكس هذا الامتداد الزمني أهمية الموقع ومكانته الاستراتيجية، حيث استمر استخدامه وإعادة توظيفه وفقا للتغيرات السياسية والعسكرية والدينية التي شهدتها مصر عبر العصور.

ومن المفاجآت التي كشفت عنها الأدلة الأثرية وجود مؤشرات على استخدام الموقع كسكنة عسكرية خلال العصر الروماني.

وتقدم هذه الشواهد دليلا جديدا على استمرار الأهمية العسكرية للموقع حتى بعد انتهاء العصور المصرية القديمة، حيث حافظت المنطقة على موقعها الاستراتيجي باعتبارها جزءا من أحد أهم الممرات المؤدية إلى الحدود الشرقية لمصر.

كما كشفت أعمال التنقيب عن بقايا معمارية شيدت من الطوب اللبن، إلى جانب عناصر مرتبطة بالمعبد ومظاهر الحياة اليومية والاستيطان.

نقوش ولقى تكشف طبيعة المدينة

وتساعد النقوش واللقى الأثرية المكتشفة في رسم صورة أكثر وضوحا عن طبيعة الموقع، إذ تجمع الأدلة بين الجوانب الدينية والعسكرية والسكنية.

فوجود المعبد يشير إلى الدور الديني، بينما تؤكد القلاع والمنشآت المرتبطة بطريق حورس أهمية الموقع عسكريا، في حين تكشف بقايا المساكن والاستيطان عن وجود مجتمع عاش في المنطقة واستفاد من موقعها الاستراتيجي.

ويمنح هذا التنوع في الأدلة الأثرية الكشف أهمية خاصة، لأنه لا يقدم معلومة منفردة عن مبنى أو قطعة أثرية، وإنما يساهم في إعادة بناء صورة متكاملة عن إحدى المناطق الحيوية في شرق مصر القديمة.

بعثة مصرية تعيد اكتشاف تاريخ القنطرة شرق

ويعكس الكشف الجديد أهمية أعمال البعثات الأثرية المصرية في إعادة اكتشاف المواقع التاريخية، خاصة في المناطق التي لعبت أدوارا عسكرية وتجارية ودينية على مدار آلاف السنين.

كما تفتح النتائج الجديدة الباب أمام المزيد من الدراسات والتنقيبات للكشف عن بقية عناصر المدينة القديمة وتحديد طبيعة علاقتها بطريق حورس وبالمنشآت العسكرية والدينية التي انتشرت على امتداده.

وبذلك تتحول منطقة القنطرة شرق مرة أخرى إلى محور مهم في خريطة الاكتشافات الأثرية المصرية، مع تزايد الأدلة التي تكشف أن المنطقة لم تكن مجرد معبر للجيش والتجارة، وإنما كانت مركزا متكاملا للحياة الدينية والعسكرية والاستيطان عبر عصور متعاقبة.

تم نسخ الرابط