فاينانشيال تايمز: المتحف المصري الكبير يعيد كتابة مستقبل علم المصريات
تواصل الإشادات الدولية تسليط الضوء على المكانة المتنامية للمتحف المصري الكبير، وسط اهتمام عالمي متزايد بالمتحف.
وخصصت صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية عدة صفحات في ملحقها الأسبوعي للإشادة بأحدث وأكبر متحف أثري مخصص لحضارة واحدة في العالم، واصفة إياه بـ«المؤسسة الجديدة المذهلة» التي تمثل محطة فارقة في مسيرة علم المصريات، ليس فقط لما يضمه من كنوز أثرية نادرة، وإنما لما يوفره من أدوات علمية وتقنيات حديثة تعيد قراءة التاريخ المصري القديم برؤية معاصرة، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين والزوار على حد سواء.
وفي تحقيق موسع أعدته الكاتبة لورا سبيني، سلطت الصحيفة الضوء على المكانة التي أصبح يحتلها المتحف المصري الكبير باعتباره أحد أبرز الصروح الثقافية العالمية، مؤكدة أن المشروع نجح في جذب اهتمام دولي واسع منذ افتتاحه، بفضل ما يقدمه من تجربة متكاملة تجمع بين العرض المتحفي التقليدي والتكنولوجيا الحديثة، إلى جانب احتضانه المجموعة الكاملة لكنوز الملك توت عنخ آمون لأول مرة في مكان واحد.
كنوز توت عنخ آمون في عرض غير مسبوق

وأشادت الصحيفة بأعمال الترميم الدقيقة التي خضعت لها القطع الأثرية المستخرجة من مقبرة الملك توت عنخ آمون، مؤكدة أن خبراء الترميم بالمتحف نجحوا في إعادة تجميع آلاف القطع الأثرية وعرضها بطريقة علمية حديثة، أتاحت للمتخصصين اكتشاف تفاصيل جديدة لم تكن معروفة من قبل، كما قدمت للجمهور تجربة مختلفة تعكس عظمة الحضارة المصرية القديمة.
وأوضحت أن هذه الأعمال تمثل إنجازًا أثريًا استثنائيًا، خاصة أنها المرة الأولى التي تُعرض فيها مقتنيات المقبرة كاملة منذ اكتشافها على يد عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر عام 1922، وهو ما يمنح الزائر فرصة استثنائية لمشاهدة الكنوز في سياقها التاريخي المتكامل.
التكنولوجيا تعيد إحياء المومياء

ولم يقتصر اهتمام الصحيفة على الكنوز الذهبية، بل أبرزت أيضًا التطور الكبير الذي يشهده العرض المتحفي من خلال التقنيات الرقمية، مشيرة إلى أن المعرض التفاعلي بالمتحف يتيح للزوار استكشاف مومياء الملك توت عنخ آمون افتراضيًا باستخدام صور الأشعة المقطعية ثلاثية الأبعاد.
وبحسب التقرير، يستطيع الزائر التعرف على تفاصيل دقيقة داخل جسد الملك الشاب، بينها شق في سقف الحلق وكسر في الساق يُعتقد أنه تعرض له قبل وفاته بفترة قصيرة، في تجربة علمية تدمج بين علم الآثار والتكنولوجيا الحديثة، وتمنح الجمهور فهمًا أعمق لأحد أشهر ملوك مصر القديمة.
من الأشعة المقطعية إلى الشفرة الوراثية

كما تناول التحقيق مشروع «شفرة جينومات المومياوات»، الذي انطلق قبل نحو عشرين عامًا، ويهدف إلى تحليل المادة الوراثية للمومياوات المصرية باستخدام أحدث تقنيات علم الوراثة، في محاولة للإجابة عن أسئلة ظلت مطروحة لعقود، وعلى رأسها الأسباب الحقيقية لوفاة الملك توت عنخ آمون في سن مبكرة.
وأشارت الصحيفة إلى أن الباحثين لم يعودوا يعتمدون فقط على دراسة العظام أو المظاهر الخارجية للمومياوات، بل أصبحوا يستخدمون تحاليل الحمض النووي لفهم الأمراض الوراثية، والروابط العائلية، والظروف الصحية التي عاشها المصريون القدماء، وهو ما يمثل نقلة نوعية في أبحاث علم المصريات.
إشادة دولية بخبراء الترميم المصريين

وأبرزت «فاينانشيال تايمز» الدور الذي قام به خبراء الترميم المصريون داخل المتحف المصري الكبير، مؤكدة أن جهودهم حظيت بتقدير واسع داخل الأوساط العلمية الدولية، بعد نجاحهم في ترميم وتجميع آلاف القطع الأثرية التي خرجت من مقبرة توت عنخ آمون، وإعادتها إلى حالتها التي تسمح بعرضها للجمهور والباحثين وفق أعلى المعايير المتحفية العالمية.
ورأت الصحيفة أن هذا الإنجاز لا يقتصر على الحفاظ على التراث، بل يسهم أيضًا في تقديم معلومات جديدة للمتخصصين، ويعزز مكانة مصر باعتبارها مركزًا عالميًا في علوم الترميم والحفاظ على الآثار.
تجربة تخاطب الجميع
وأكد التقرير أن المتحف المصري الكبير نجح في تجاوز فكرة كونه مقصدًا للمتخصصين فقط، ليصبح وجهة ثقافية وسياحية تناسب مختلف الفئات، حيث يستطيع الزائر العادي الاستمتاع بالعروض الرقمية والتفاعلية التي تقدم المعلومات بأسلوب مبسط وجذاب، دون الحاجة إلى خلفية علمية متخصصة.
واعتبرت الصحيفة أن المزج بين القطع الأصلية والتقنيات الرقمية الحديثة يمنح الزائر تجربة مختلفة، تجعل التاريخ أكثر قربًا وفهمًا، وتحوّل زيارة المتحف إلى رحلة معرفية متكاملة.
شهادة من خبراء علم المصريات
واختتمت الصحيفة تقريرها بنقل شهادة من كامبل برايس، أمين قسم مصر والسودان في متحف مانشستر، الذي أكد أن المتحف المصري الكبير يمثل إنجازًا عالميًا بكل المقاييس، قائلًا: «أتحدى أي عالم مصريات أن ينكر روعة المكان».
وتعكس هذه الإشادات الدولية المكانة التي بات يحظى بها المتحف المصري الكبير منذ افتتاحه، باعتباره أحد أهم المشروعات الثقافية والحضارية في القرن الحادي والعشرين، ونقطة انطلاق جديدة لتعزيز حضور مصر على خريطة السياحة الثقافية العالمية، ودعم الدراسات العلمية المتعلقة بالحضارة المصرية القديمة، في وقت تتزايد فيه اهتمامات المؤسسات البحثية والمتاحف الدولية بالتعاون مع الخبرات المصرية في مجالات الترميم والبحث الأثري





