رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

الذكاء الاصطناعي يطرق أبواب الماضي فهل يكشف أسرارًا جديدة داخل المقابر؟

الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي وقراءة الاثار

لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية مرتبطة فقط بالهواتف الذكية والسيارات ذاتية القيادة، بل بدأ يطرق أبواب علوم تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن عالم التكنولوجيا، وفي مقدمتها علم الآثار

 

ومع التطور المتسارع في تحليل الصور والبيانات والنماذج ثلاثية الأبعاد، باتت الخوارزميات قادرة على مساعدة الباحثين في قراءة تفاصيل دقيقة داخل المواقع الأثرية، وربط معلومات ضخمة ربما يصعب على الإنسان تحليلها بالسرعة نفسها.

 

وفي بلد مثل مصر، تمتلك واحدة من أغنى الحضارات الأثرية في العالم، يمكن لهذا التحول التكنولوجي أن يفتح مجالًا جديدًا للبحث والاكتشاف، ليس بالضرورة من خلال الحفر والتنقيب التقليدي، وإنما عبر البحث الرقمي عن علامات ودلالات قد تقود إلى معلومات جديدة حول المواقع والمنشآت والقطع الأثرية.

خوارزميات تبحث في آلاف السنين

https://images.openai.com/static-rsc-4/zOA9xrB6q5TeKOU4t5qMSwONTGhno69LhuMLwoF_tuLkwZLdUYMOcACnoUhpW6iI88T_dgAcnuOuIlPB8gwLGb9glpZMaVlC2lAHUXuFUbCQi1zcl_mC-edsYhoEq7HrM2KvoUAIRxMg7rHKTBFiFDOvPxD6IJtDxl6CY2QqJBPuYN9DJeVQEgxoQAeXrYMZ?purpose=fullsize

يمتلك علماء الآثار كميات هائلة من الصور والخرائط والوثائق والبيانات المرتبطة بالمواقع التاريخية، وهنا تظهر إحدى أهم نقاط قوة الذكاء الاصطناعي، وهي قدرته على معالجة كميات كبيرة من المعلومات واكتشاف أنماط متكررة أو اختلافات دقيقة قد تحتاج إلى وقت طويل لاكتشافها بالطرق التقليدية.

ولا يعني ذلك أن الآلة تمتلك معرفة مستقلة بتاريخ الحضارات، وإنما تستطيع مساعدة الباحث في فرز البيانات وتحليلها وتحديد المناطق أو الصور التي تستحق دراسة أكثر عمقًا.

نقوش قديمة تحت عين الآلة

ومن المجالات الواعدة استخدام تقنيات التعرف على الصور وتحليل النصوص في دراسة النقوش والكتابات القديمة، فالذكاء الاصطناعي يمكن تدريبه على كميات كبيرة من الصور والرموز، ثم استخدامه للمساعدة في مقارنة النقوش والتعرف على الأنماط المتشابهة أو الأجزاء المتضررة.

وقد يمثل ذلك دعمًا مهمًا للمتخصصين في دراسة الكتابات القديمة، خصوصًا عندما تكون بعض العلامات غير واضحة أو عندما يحتاج الباحث إلى مقارنة عدد كبير من النقوش المنتشرة في مواقع مختلفة.

أسرار مدفونة دون تحريك حجر

ربما تكون إحدى أكثر الإمكانات إثارة في التكنولوجيا الأثرية هي القدرة على دراسة ما يوجد تحت سطح الأرض أو خلف الجدران دون الحاجة إلى التدخل المباشر في الأثر.

وتتيح تقنيات الاستشعار عن بعد والمسح الجيوفيزيائي والتصوير المتخصص للباحثين جمع معلومات عن المواقع قبل اتخاذ قرار بالحفر، وعند دمج هذه البيانات مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يصبح من الممكن تحليل مؤشرات كثيرة في وقت واحد والمساعدة في تحديد المناطق التي تحتاج إلى مزيد من البحث.

وهنا تتغير فلسفة التنقيب نفسها؛ فبدل أن يبدأ الباحث بالحفر بحثًا عن إجابة، يمكن أن يبدأ بجمع البيانات وتحليلها ثم تحديد المكان الأكثر احتمالًا لوجود معلومة جديدة.

هل تستطيع الآلة اكتشاف غرفة مخفية؟

هذا السؤال من أكثر الأسئلة إثارة في العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والآثار، لكنه يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع بمفرده أن يقول إن هناك غرفة أثرية مخفية في مكان معين بصورة مؤكدة.

لكن عندما يحصل الباحثون على بيانات من تقنيات مثل التصوير الحراري أو المسح الجيوفيزيائي أو التصوير ثلاثي الأبعاد، يمكن للخوارزميات أن تساعد في اكتشاف أنماط أو اختلافات غير طبيعية داخل البيانات، وهو ما قد يشير إلى ضرورة إجراء فحوص أثرية أكثر دقة.

بمعنى آخر، قد لا تقدم الآلة الإجابة النهائية، لكنها تستطيع أن تساعد الباحث في طرح السؤال الصحيح وتحديد المكان الذي يستحق البحث.

الذكاء الاصطناعي يقرأ الصورة بطريقة مختلفة

The Rahotep Experience: AR as a tool to enhance the museum visitor experience | AWE USA - the world's #1 AR+VR conference and expo AWE USA – the world's #1 AR+VR conference and expo

يستطيع الإنسان النظر إلى صورة أثرية والتعرف على عناصرها الأساسية، لكن الحاسوب يستطيع تحليل الصورة على مستوى مختلف، من خلال مقارنة عدد هائل من البكسلات والأنماط والعلاقات بين العناصر.

وتزداد أهمية هذه الإمكانات عند التعامل مع ملايين الصور الرقمية للقطع والمواقع الأثرية. ويمكن للأنظمة الذكية المساعدة في تصنيف الصور، وربط القطع المتشابهة، ومقارنة حالات الحفظ، واكتشاف الاختلافات التي قد تحتاج إلى تفسير متخصص.

من التوثيق إلى حماية الآثار

ولا تقتصر أهمية الذكاء الاصطناعي على اكتشاف معلومات جديدة، بل تمتد إلى حماية الآثار نفسها. فالمواقع التاريخية تتعرض لعوامل عديدة مثل الرطوبة والحرارة والتلوث والتغيرات البيئية، إضافة إلى مخاطر الازدحام والاستخدام البشري.

ومن خلال أجهزة الاستشعار والكاميرات وأنظمة المراقبة، يمكن جمع بيانات مستمرة عن حالة الموقع، ثم استخدام أدوات التحليل الذكي لرصد التغيرات والتنبيه إلى مؤشرات قد تستدعي تدخل المتخصصين.

وهكذا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة للبحث عن الماضي إلى وسيلة لحماية ما تبقى منه.

ثلاثية الأبعاد تحفظ الأثر حتى في غيابه

أصبح التوثيق ثلاثي الأبعاد من الأدوات المهمة في العمل الأثري، لأنه يسمح بإنشاء نماذج رقمية دقيقة للمواقع والقطع والمنشآت، وتزداد قيمة هذه النماذج عندما يتم دمجها مع تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تستطيع تحليل البيانات الهندسية والبصرية المرتبطة بها.

وفي حال تعرض موقع أثري للتلف أو تغيرت حالته، يمكن للنموذج الرقمي أن يوفر سجلًا تفصيليًا يساعد الباحثين في فهم حالته السابقة ودعم أعمال الترميم والدراسة.

عالم الآثار والآلة.. شراكة لا منافسة

ورغم كل هذه الإمكانات، يظل عالم الآثار هو العنصر الأساسي في عملية تفسير النتائج. فالخوارزمية تستطيع اكتشاف نمط، لكنها لا تمتلك بالضرورة السياق التاريخي والثقافي الذي يسمح بفهم معنى هذا النمط.

وقد تظهر الخوارزمية علاقة بين عنصرين، لكن تحديد ما إذا كانت هذه العلاقة مهمة أثريًا يحتاج إلى معرفة متخصصة ودراسة للموقع والحقبة التاريخية ومصادر أخرى.

لذلك، فإن العلاقة الأكثر واقعية بين التكنولوجيا وعلم الآثار ليست علاقة منافسة، وإنما شراكة تجمع بين سرعة الآلة وخبرة الإنسان.

أخطاء الآلة قد تقود إلى استنتاجات خاطئة

كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي في دراسة التراث يحمل تحدياته الخاصة. فالخوارزمية تعتمد على البيانات التي تتدرب عليها، وإذا كانت البيانات ناقصة أو غير دقيقة، فقد تنتج نتائج مضللة.

ولهذا تظل مراجعة النتائج من جانب علماء الآثار والمؤرخين والمتخصصين أمرًا ضروريًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باستنتاجات يمكن أن تغير فهمنا لموقع أثري أو حدث تاريخي.

كما تبرز قضايا أخرى تتعلق بحماية البيانات الرقمية للمواقع الأثرية، وحقوق استخدام النماذج والصور، وضمان عدم توظيف التكنولوجيا بطريقة تضر بالأثر أو تعرض معلومات حساسة عنه لسوء الاستخدام.

مصر أمام فرصة جديدة

The Wall of Knowledge _ CULTNAT

تمتلك مصر فرصة كبيرة للاستفادة من هذا التطور بفضل العدد الهائل من المواقع والمتاحف والقطع الأثرية، إلى جانب الجامعات والمراكز البحثية التي يمكنها الجمع بين تخصصات الآثار والهندسة وعلوم الحاسب والذكاء الاصطناعي.

ويمكن لهذا التعاون أن يؤدي إلى ظهور مشروعات بحثية جديدة تجمع بين التنقيب التقليدي والتحليل الرقمي، وتستخدم التكنولوجيا في التوثيق والحفظ والتعليم والسياحة الثقافية.

كما يمكن للتقنيات الحديثة أن تجعل التراث المصري متاحًا لجمهور أوسع من خلال الجولات الافتراضية والنماذج الرقمية والتجارب التفاعلية، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن زيارة المواقع الحقيقية.

هل تكتشف الآلة ما لم يره الإنسان؟

ربما يكون السؤال الأدق ليس: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف أسرار لم يرها علماء الآثار؟ وإنما: هل يستطيع أن يساعد علماء الآثار على رؤية ما كان من الصعب عليهم رؤيته؟

الإجابة تبدو أقرب إلى نعم، ولكن بشروط، فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل كميات هائلة من البيانات، ومقارنة الصور، واكتشاف الأنماط، ومراقبة التغيرات، وتقديم مؤشرات جديدة للباحثين، لكنه لا يستطيع وحده تحويل هذه المؤشرات إلى حقيقة تاريخية مؤكدة.

المستقبل يبدأ من نقطة التقاء الحضارة والتكنولوجيا

في النهاية، قد لا يكون أعظم إنجاز للذكاء الاصطناعي في علم الآثار هو اكتشاف مقبرة جديدة أو غرفة مخفية، وإنما تغيير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى التراث نفسه.

فالحضارة المصرية التي شيدت آثارها منذ آلاف السنين تلتقي اليوم مع واحدة من أحدث أدوات العصر، وبين حجر يحمل نقشًا عمره آلاف السنين وخوارزمية تستطيع تحليل ملايين البيانات، تتشكل مرحلة جديدة من البحث الأثري.

وقد يصبح المستقبل شاهدًا على اكتشافات لم تكن ممكنة بالأدوات التقليدية وحدها، لكن هذه الاكتشافات ستظل بحاجة إلى الإنسان؛ فهو من يضع السؤال، ويفهم السياق، ويتحقق من الدليل، ويمنح الأثر معناه، وأما الذكاء الاصطناعي، فقد يكون العين الرقمية الجديدة التي تساعده على رؤية تفاصيل ظل بعضها مختبئًا في صمت الحضارة لآلاف السنين.

 

تم نسخ الرابط