مصطفى وزيري يروي كواليس عودة تابوت«نجم عنخ».. معركة مصرية انتهت بالانتصار
أكد الدكتور مصطفى وزيري، عالم المصريات والأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، أن تابوت "نجم عنخ" يمثل واحدة من أبرز قصص النجاح التي حققتها الدولة المصرية في ملف استرداد الآثار المهربة، مشيرًا إلى أن عودته إلى أرض الوطن لم تكن مجرد استرداد لقطعة أثرية نادرة، بل كانت ثمرة سنوات من العمل القانوني والدبلوماسي، والتنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة، لإثبات حق مصر في استعادة أحد كنوزها الحضارية التي خرجت من البلاد بطرق غير شرعية.
وأوضح وزيري أن ملف استرداد الآثار يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا، إذ يتطلب تتبع القطع الأثرية في الخارج، وجمع الأدلة والوثائق التي تثبت ملكيتها للدولة المصرية، إلى جانب خوض إجراءات قانونية قد تستغرق سنوات قبل صدور القرار النهائي بإعادتها إلى موطنها الأصلي.
محاولة لإضفاء الشرعية على عملية التهريب
وأشار وزيري إلى أن تابوت "نجم عنخ" كان من بين القطع التي حاول مهربو الآثار إضفاء صفة قانونية على خروجها من مصر، من خلال الادعاء بأنه غادر البلاد قبل عام 1970، وهو التاريخ الذي تستند إليه العديد من الاتفاقيات الدولية المنظمة لتداول الممتلكات الثقافية والآثار.
وأضاف أن المهربين قدموا مستندات ووثائق بهدف إقناع الجهات المختصة بأن التابوت خرج بصورة قانونية، إلا أن التحقيقات التي أجرتها الجهات المصرية كشفت عدم صحة تلك الادعاءات، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل المكثف لإثبات أن القطعة الأثرية غادرت البلاد بصورة غير مشروعة.
وأكد أن هذه القضية كشفت حجم التحديات التي تواجهها مصر في استعادة آثارها، خاصة في ظل الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب الآثار لإخفاء مصدر القطع أو تزوير مستندات ملكيتها.
تحرك قانوني ودبلوماسي أعاد التابوت إلى مصر
وأوضح عالم المصريات أن استعادة تابوت "نجم عنخ" جاءت نتيجة تعاون وثيق بين وزارة السياحة والآثار، ووزارة الخارجية، والنيابة العامة، والسفارة المصرية في الولايات المتحدة، إلى جانب التعاون مع السلطات الأمريكية المختصة.
وأشار إلى أن هذا التنسيق أسفر عن تقديم ملف قانوني متكامل، تضمن الأدلة التي تثبت خروج التابوت من مصر بطرق غير شرعية، وهو ما مهد الطريق أمام السلطات الأمريكية لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادته إلى الدولة المصرية.
وأضاف أن نجاح هذه القضية يعكس تطور قدرات الدولة المصرية في التعامل مع ملفات استرداد الآثار، سواء من خلال الخبرات القانونية أو التعاون الدولي أو المتابعة المستمرة للقطع الأثرية المعروضة في الخارج.
قيمة أثرية وتاريخية استثنائية
وأكد وزيري أن أهمية تابوت "نجم عنخ" لا تقتصر على كونه قطعة أثرية نادرة، بل يمثل شاهدًا على جانب مهم من الحضارة المصرية القديمة، ويعكس ما وصل إليه المصري القديم من إبداع في فنون صناعة التوابيت الخشبية المذهبة والزخارف الدينية.
وأشار إلى أن كل قطعة أثرية تحمل معلومات تاريخية وعلمية لا يمكن تعويضها، ولذلك فإن استعادتها تمثل استردادًا لجزء من الذاكرة الوطنية، وليس مجرد استعادة لمقتنى أثري.
وأضاف أن الحفاظ على هذه القطع داخل المتاحف المصرية يتيح للباحثين والدارسين والجمهور فرصة التعرف على تاريخ بلادهم من خلال آثارها الأصلية، بعيدًا عن بقائها في مجموعات خاصة أو خارج حدود الوطن.
يعرض في المتحف القومي للحضارة المصرية
وأوضح وزيري أن تابوت "نجم عنخ" عاد إلى مصر عام 2019، ويُعرض حاليًا داخل المتحف القومي للحضارة المصرية، حيث أصبح من أبرز القطع التي تحظى باهتمام الزائرين المصريين والأجانب.
وأضاف أن عرض التابوت داخل المتحف يحمل رسالة حضارية مهمة، تؤكد أن الدولة المصرية قادرة على استعادة كنوزها وحمايتها، وأن المتاحف المصرية هي المكان الطبيعي الذي ينبغي أن تحتضن فيه هذه القطع الفريدة.
وأشار إلى أن عودة التابوت لاقت اهتمامًا واسعًا على المستويين المحلي والدولي، باعتبارها نموذجًا ناجحًا للتعاون بين الدول في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
رسالة حاسمة إلى مهربي الآثار
وشدد وزيري على أن قصة "نجم عنخ" أصبحت رمزًا لقدرة الدولة المصرية على ملاحقة آثارها أينما وجدت، وإثبات حقوقها التاريخية والقانونية أمام المحاكم والجهات المختصة في مختلف دول العالم.
وأكد أن مصر لن تتخلى عن أي قطعة أثرية خرجت من أراضيها بصورة غير قانونية، وأن الجهود مستمرة بالتنسيق مع الجهات المعنية لمتابعة المزادات العالمية، ورصد القطع المشتبه في تهريبها، والعمل على استعادتها.
وأضاف أن النجاحات التي تحققت في السنوات الأخيرة تعكس تطور منظومة استرداد الآثار، وتعزز من مكانة مصر في جهود حماية التراث الإنساني ومكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
نجاح يتجاوز استرداد قطعة أثرية
واختتم الدكتور مصطفى وزيري تصريحاته بالتأكيد على أن استعادة تابوت "نجم عنخ" تمثل أكثر من مجرد عودة قطعة أثرية نادرة، فهي رسالة تؤكد أن مصر قادرة على الدفاع عن تاريخها وتراثها، وأن الحفاظ على الآثار مسؤولية وطنية لا تسقط بالتقادم.
وأشار إلى أن كل قطعة تعود إلى أرض الوطن تمثل انتصارًا جديدًا للإرادة المصرية، وإضافة مهمة إلى سجل الإنجازات التي تحققت في ملف استرداد الآثار، بما يسهم في صون الهوية الحضارية للأجيال الحالية والمستقبلية، ويؤكد أن كنوز مصر ستظل جزءًا أصيلًا من تاريخها الذي لا يقبل المساومة أو التفريط.



