دفنات نادرة خارج المقابر.. اكتشاف أثري جديد في الإسماعيلية يكشف أسرار الحياة
في كشف أثري جديد يضيف فصلًا مهمًا إلى سجل الاكتشافات المصرية، نجحت البعثة الأثرية المصرية العاملة بمنطقة تل الكوع بوادي الطميلات بمحافظة الإسماعيلية في الكشف عن مجموعة من المنشآت واللقى الأثرية التي تعود إلى عصر الانتقال الثاني، من بينها 10 مقابر، ومنطقة سكنية متكاملة، وأفران، وصوامع للتخزين، إلى جانب دفنات آدمية غير مألوفة خارج المقابر، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم طبيعة الحياة والعادات الجنائزية في تلك الفترة.
ويُعد هذا الكشف من الاكتشافات المهمة التي تسهم في إعادة رسم ملامح الحياة اليومية في منطقة وادي الطميلات، والتي كانت تمثل أحد الممرات الاستراتيجية المهمة في شرق الدلتا، وربطت مصر عبر تاريخها القديم ببلاد الشام وشبه جزيرة سيناء.
10 مقابر تكشف ملامح المجتمع القديم
وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف 10 مقابر ترجع إلى عصر الانتقال الثاني، وهي فترة تاريخية شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبيرة في مصر القديمة.
وأظهرت المقابر المكتشفة تنوعًا في أساليب الدفن، كما كشفت الهياكل العظمية التي عُثر عليها عن اختلافات في الأعمار والأوضاع الجنائزية، وهو ما يمنح الباحثين فرصة لفهم التركيبة السكانية والطقوس الجنائزية التي كانت سائدة آنذاك.
ويرى الأثريون أن دراسة هذه المقابر ستوفر معلومات جديدة عن الحياة الاجتماعية والصحية لسكان المنطقة، وربما تكشف عن طبيعة العلاقات بين المجتمعات التي استوطنت شرق الدلتا خلال تلك الحقبة.
اكتشاف غير مسبوق.. دفنات خارج المقابر
ومن أبرز نتائج أعمال البعثة، الكشف لأول مرة في الموقع عن دفنات آدمية خارج المقابر المبنية بالطوب اللبن، في ظاهرة لم تكن معروفة من قبل في تل الكوع.
والمثير أن عددًا من هذه الدفنات جاء في وضع القرفصاء، وهو أسلوب دفن غير معتاد بالموقع، ما يدفع علماء الآثار إلى إجراء مزيد من الدراسات لمعرفة أسباب هذا النمط، وما إذا كان يرتبط بفئة اجتماعية معينة، أو بطقوس دينية خاصة، أو بظروف استثنائية عاشها سكان المنطقة.
ويؤكد هذا الاكتشاف أن الموقع لا يزال يحتفظ بأسرار أثرية قد تغير كثيرًا من المفاهيم المتعلقة بالعادات الجنائزية في عصر الانتقال الثاني.

مدينة نابضة بالحياة
ولم تقتصر الاكتشافات على المقابر، إذ كشفت البعثة عن منطقة سكنية متكاملة تضم مجموعة من الأفران التي كانت تستخدم في إعداد الطعام أو الصناعات اليومية، بالإضافة إلى عدد من الصوامع المخصصة لتخزين الحبوب، والواقعة شرق المجمع السكني.
وتعكس هذه المنشآت وجود مجتمع مستقر اعتمد على الزراعة والتخزين، كما تؤكد أن الموقع لم يكن مجرد منطقة دفن، بل كان تجمعًا سكنيًا شهد أنشطة اقتصادية وحياتية متكاملة.
ويشير توزيع المباني والأفران والصوامع إلى وجود تخطيط عمراني منظم، بما يعكس طبيعة الاستقرار الذي عرفته المنطقة خلال تلك الفترة.
لقى أثرية تروي تفاصيل الحياة اليومية
كما عثرت البعثة على مجموعة متميزة من اللقى الأثرية التي تساعد في رسم صورة أكثر وضوحًا عن الحياة اليومية للسكان، من بينها جعارين استخدمت كأختام أو تمائم، وأدوات برونزية، وأوانٍ فخارية متنوعة، ومكاحل مصنوعة من الألباستر، بالإضافة إلى قنينات تحمل طراز "تل اليهودية"، وهو أحد أشهر الأنماط الفخارية المميزة لعصر الانتقال الثاني.
وتشير هذه المكتشفات إلى تطور الصناعات المحلية، واهتمام السكان بأدوات الزينة والاستخدامات المنزلية، فضلًا عن وجود نشاط اقتصادي وتجاري انعكس في تنوع الأدوات المكتشفة.
الفخار يكشف عادات السكان
وأظهرت الدراسة الأولية للفخار المكتشف كثافة الاستخدام اليومي داخل الموقع، حيث شكلت أواني المائدة النسبة الأكبر من القطع المكتشفة، تلتها أواني الطهي، وهو ما يعكس طبيعة الحياة المعيشية للسكان، وأنشطة إعداد الطعام وتخزينه داخل المنطقة السكنية.
ويرى المتخصصون أن هذه النتائج تساعد في فهم النظام الغذائي، وأنماط المعيشة، ومستوى الاستقرار الذي شهده الموقع قبل آلاف السنين.
إضافة جديدة لخريطة الاكتشافات المصرية
ويؤكد هذا الكشف الأثري أهمية منطقة تل الكوع بوادي الطميلات، باعتبارها واحدة من المواقع الواعدة التي لا تزال تخفي الكثير من الأسرار التاريخية، كما يعزز من مكانة محافظة الإسماعيلية على خريطة الاكتشافات الأثرية في مصر.
ومن المتوقع أن تسهم الدراسات المستقبلية للهياكل العظمية واللقى المكتشفة في الكشف عن مزيد من المعلومات المتعلقة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والطقوس الدينية في عصر الانتقال الثاني، بما يثري المعرفة بتاريخ مصر القديمة ويضيف أدلة جديدة إلى سجل الحضارة المصرية الممتد عبر آلاف السنين.



