بعد نصف عقد من العمل.. افتتاح قبة السلطان قايتباي في ثوبها التاريخي الجديد
استعادت القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي بريقها التاريخي بعد خمس سنوات من أعمال الترميم الدقيقة، لتفتح أبوابها مجددًا أمام الزائرين في قلب القاهرة التاريخية، في خطوة تعكس استمرار جهود الدولة للحفاظ على التراث الثقافي، وتعزز مسيرة التعاون بين مصر والولايات المتحدة في مجال صون الآثار وفق أحدث المعايير العلمية.
بعد 5 سنوات من الترميم.. قبة السلطان الأشرف قايتباي تستعيد بريقها في قلب القاهرة التاريخية

في مشهد يعكس اهتمام الدولة المصرية بالحفاظ على تراثها الحضاري، أعيد فتح القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي بمنطقة صحراء المماليك أمام الزائرين، بعد الانتهاء من مشروع ترميم استمر خمس سنوات، أعاد إلى أحد أهم شواهد العمارة المملوكية رونقها الأصلي، وفتح صفحة جديدة في مسيرة التعاون المصري الأمريكي في مجال صون التراث الثقافي.
وشهد الافتتاح شريف فتحي وزير السياحة والآثار، والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، وروبرت سيلفرمان القائم بأعمال السفير الأمريكي بالقاهرة، إلى جانب الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، وعدد من المسؤولين والمتخصصين في مجال الترميم والآثار.
محطة جديدة في التعاون المصري الأمريكي

وخلال مراسم الافتتاح، أكد وزير السياحة والآثار أن مشروع ترميم قبة السلطان الأشرف قايتباي يمثل نموذجًا ناجحًا للتعاون بين الحكومة المصرية والولايات المتحدة الأمريكية، موضحًا أن الشراكة بين الجانبين لم تقتصر على ترميم المباني الأثرية، بل امتدت إلى مجالات الحفائر الأثرية، وبناء القدرات، والحفاظ على التراث، ودعم المجتمعات المحلية المحيطة بالمواقع التاريخية.
وأشار الوزير إلى أن وزارة السياحة والآثار تمضي في تنفيذ استراتيجيتها الرامية إلى حماية التراث الثقافي المصري وفق أحدث المعايير العلمية، مع تعظيم الاستفادة الاقتصادية والسياحية من المواقع الأثرية، بما ينعكس إيجابًا على المجتمعات المحلية ويعزز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية.
جولة داخل القبة بعد انتهاء أعمال الترميم

وعقب الافتتاح، أجرى الوزير ومرافقوه جولة داخل القبة الضريحية، اطلعوا خلالها على نتائج أعمال الترميم التي نفذتها شركة "أركينوس" للهندسة المعمارية تحت الإشراف الكامل للمجلس الأعلى للآثار، وبتمويل من صندوق السفراء الأمريكي للحفاظ على التراث الثقافي.
واستمع الحضور إلى شرح مفصل حول مراحل المشروع، حيث أوضحت أغنيشكا دوبروفولسكا، مديرة الشركة المنفذة، أن المشروع بدأ بمرحلة شاملة من التوثيق والدراسات الأثرية والرفع المعماري، أعقبها تنفيذ أعمال الترميم الدقيقة للعناصر المعمارية والزخرفية باستخدام مواد تتوافق مع طبيعة المبنى الأثري.
وشملت الأعمال تنظيف الأحجار التاريخية، ومعالجة الرطوبة والأملاح، وتدعيم الجدران وحقن الشروخ، وإظهار الكتابات والزخارف القرآنية، إلى جانب ترميم الشبابيك الجصية واستكمال الزجاج الملون، وصيانة العناصر الخشبية والرخامية، وإعادة تذهيب زخارف المحراب، بما حافظ على القيمة الفنية والأثرية للقبة.
التعاون يمتد إلى استرداد الآثار
ولم يقتصر حديث الوزير على مشروع الترميم، إذ أكد أن التعاون بين مصر والولايات المتحدة يشمل كذلك مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية واسترداد الآثار المهربة.
وأوضح أن مصر نجحت خلال العام الماضي، وبالتعاون مع السلطات الأمريكية، في استعادة نحو 60 قطعة أثرية خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، مشيرًا إلى أن زيارته الأخيرة إلى نيويورك أكدت وجود التزام أمريكي حقيقي بدعم هذا الملف، بما يعزز جهود الدولة في إعادة آثارها إلى موطنها الأصلي.
كما لفت إلى أن نحو 50 بعثة أثرية أمريكية تعمل حاليًا في مصر، في إطار شراكة علمية ممتدة تعكس عمق العلاقات الثقافية بين البلدين.
رسالة تقدير للمرممين المصريين

وحرص وزير السياحة والآثار على توجيه الشكر إلى جميع القائمين على المشروع، وفي مقدمتهم فرق الترميم والخبراء والكوادر الفنية بالمجلس الأعلى للآثار، مؤكدًا أن ما تحقق في قبة السلطان الأشرف قايتباي يعكس مستوى الاحترافية والخبرة التي يتمتع بها المرممون المصريون، وقدرتهم على تنفيذ مشروعات معقدة وفقًا لأعلى المعايير الدولية.
الجانب الأمريكي: حماية التراث استثمار في المستقبل
من جانبه، أكد روبرت سيلفرمان، القائم بأعمال السفير الأمريكي بالقاهرة، أن الحفاظ على التراث الثقافي لا يتعلق فقط بصون الماضي، وإنما ببناء المستقبل أيضًا، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى دعم مشروعات الحفاظ على التراث باعتباره استثمارًا في الهوية والثقافة والتنمية.
وأوضح أن صندوق السفراء الأمريكي للحفاظ على التراث الثقافي موّل في مصر 17 مشروعًا بقيمة تجاوزت 3.5 مليون دولار، في إطار التزام طويل الأمد بحماية التراث المصري.
جوهرة معمارية تعود للحياة
وأكد الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن مشروع الترميم استغرق خمس سنوات من العمل المتواصل، ونُفذ وفق أعلى المعايير العلمية، ليعيد الحياة إلى واحدة من أبرز روائع العمارة المملوكية في القاهرة التاريخية.
بدوره، أوضح الدكتور ضياء زهران، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، أن القبة تُعد جزءًا من المجموعة المعمارية للسلطان الأشرف قايتباي، وتضم قبر السلطان وقبر ابنه السلطان محمد قايتباي، كما تتميز بزخارفها الحجرية الفريدة، وأرضياتها الرخامية، ومحرابها المذهب، إضافة إلى الحجر البازلتي الذي ارتبط عبر التاريخ بمكانة دينية وروحية لدى الزائرين.
إحياء القاهرة التاريخية
ويأتي افتتاح القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي ضمن خطة وزارة السياحة والآثار لإحياء مواقع القاهرة التاريخية، وتحويلها إلى نقاط جذب ثقافي وسياحي، بما يسهم في الحفاظ على التراث المصري وتعزيز مكانة القاهرة كواحدة من أهم المدن التاريخية في العالم، ويؤكد أن الاستثمار في الآثار هو استثمار في الهوية والتاريخ والمستقبل.


