رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

خرج من باطن الأرض وكأنه حي.. القصة الكاملة لتمثال كا-عبر الشهير"بشيخ البلد"

تمثال شيخ البلد
تمثال شيخ البلد

في أحد أيام عام 1860، وبينما كان عالم الآثار الفرنسي أوجست مارييت يقود أعمال الحفائر في منطقة سقارة، توقف الجميع أمام تمثال خشبي خرج من باطن الأرض بعد أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة عام من الغياب. وما إن وقعت عليه أعين العمال المصريين حتى تعالت الأصوات بعبارة واحدة: «ده شيخ البلد!».

File:Statue of Ka-aper from Saqqara, Fifth Dynasty, reign of Userkaf, ca. 2465-2458 BCE; Egyptian Museum, Cairo (1).jpg - Wikimedia Commons

لم يكن الرجل الذي خرج من الرمال عمدة قرية، ولا مسؤولًا في العصر الحديث، لكنه كان يشبه إلى حد كبير أحد مشايخ القرى في مصر آنذاك؛ بجسده الممتلئ، ووقفته الواثقة، ونظرته الحادة، حتى إن الاسم ظل ملازمًا له منذ ذلك اليوم، بينما كان اسمه الحقيقي في مصر القديمة هو «كا-عبر».

من هو كا-عبر؟

 

لم يكن كا-عبر ملكًا ولا أميرًا، بل كان أحد كبار الموظفين في عهد الأسرة الخامسة من الدولة القديمة، وعاش قبل نحو 4500 عام.

تشير النقوش إلى أنه حمل ألقابًا مهمة، من بينها الكاهن المشرف على الشعائر الجنائزية، وكان يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة، وهو ما يفسر العناية الكبيرة التي أحيط بها قبره وتمثاله.

ورغم مرور آلاف السنين، فإن شهرته اليوم تجاوزت شهرة كثير من الملوك، بفضل ذلك التمثال الذي أصبح أحد روائع الفن المصري القديم.

تمثال من الخشب.. لكنه هزم الزمن

Kaaper y su Estatua de Madera, El Retrato más Realista del Antiguo Egipto - Diario Cambio 22 - Península Libre

على عكس معظم التماثيل المصرية التي صنعت من الجرانيت أو البازلت أو الحجر الجيري، نُحت تمثال كا-عبر من خشب الجميز، وهو ما يجعل بقاءه حتى اليوم إنجازًا استثنائيًا.

ويبلغ ارتفاع التمثال نحو 112 سنتيمترًا، ويظهر صاحبه واقفًا ممسكًا بعصا، مرتديًا نقبة قصيرة، بينما تبدو ملامحه شديدة الواقعية، وكأن النحات أراد أن ينقل شخصية حقيقية أكثر من كونه يصنع رمزًا رسميًا.

ويعتقد علماء الآثار أن التمثال كان يوضع داخل المقبرة ليكون مقرًا بديلًا لروح المتوفى إذا تعرض الجسد لأي تلف، وفقًا للمعتقدات المصرية القديمة.

سر العينين اللتين لا تزالان تنظران إليك

إذا وقفت أمام تمثال شيخ البلد في المتحف المصري، ستشعر بأن عينيه تتبعانك أينما تحركت.

ولم يكن ذلك مصادفة، فقد صنع الفنان المصري القديم العينين من بلور الصخور (الكريستال الصخري) مع استخدام النحاس وأحجار أخرى لإضفاء عمق ولمعان طبيعي، في تقنية سبقت عصرها بآلاف السنين.

ولهذا السبب، يعد التمثال واحدًا من أكثر الأعمال الفنية واقعية في تاريخ النحت القديم، حتى إن كثيرًا من الزوار يصفون نظراته بأنها "حية".

لماذا قال العمال: «هذا شيخ البلد»؟

يروي المؤرخون أن العمال المصريين الذين شاركوا في الاكتشاف فوجئوا بالشبه الكبير بين صاحب التمثال وبين عمدة القرية أو شيخ البلد في ذلك الوقت.

لم تكن الملامح فقط هي السبب، بل أيضًا الوقفة المهيبة، والجسد الممتلئ، وطريقة الإمساك بالعصا، وهي سمات ارتبطت في أذهانهم بالشخصيات القيادية في الريف المصري خلال القرن التاسع عشر.

ومنذ تلك اللحظة، انتشر الاسم الجديد، حتى أصبح أشهر من الاسم الأصلي لصاحب التمثال.

تحفة تتحدى الزمن

31 Top Landmarks in Egypt: Famous Monuments & Attractions

يرى خبراء الآثار أن القيمة الحقيقية للتمثال لا تكمن فقط في حالته الممتازة، بل في قدرته على تقديم صورة واقعية للحياة اليومية في مصر القديمة.

فبعيدًا عن التماثيل الملكية التي تعكس القوة والهيبة، يقدم تمثال كا-عبر إنسانًا حقيقيًا بملامح طبيعية وجسد غير مثالي، وهو ما يكشف مستوى متقدمًا من الواقعية الفنية لدى المصري القديم.

كما يعكس التمثال براعة النحاتين في التعامل مع الخشب، وهي مادة أكثر صعوبة في البقاء عبر الزمن مقارنة بالأحجار.

من سقارة إلى المتحف المصري

بعد اكتشافه، نُقل تمثال كا-عبر إلى المتحف المصري بالتحرير، حيث أصبح واحدًا من أشهر القطع التي يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم.

ورغم وجود آلاف التماثيل داخل المتحف، يظل "شيخ البلد" من أكثرها جذبًا للانتباه، ليس فقط بسبب قصته، بل لأن ملامحه تبدو مألوفة لكل من يراه، وكأن الزمن لم ينجح في محو إنسانيته.

حكاية تمثال لا تشبه غيرها

قد تكون الأهرامات هي أعظم ما شيده المصري القديم، لكن تمثال "شيخ البلد" يثبت أن عبقرية هذه الحضارة لم تتجسد في الأبنية الضخمة وحدها، بل ظهرت أيضًا في قطعة خشبية استطاعت أن تنقل ملامح إنسان عاش قبل آلاف السنين بكل ما فيها من حياة وصدق. وربما لهذا السبب، ما إن خرج التمثال من باطن الأرض حتى تعرف عليه المصريون بطريقتهم الخاصة، ومنحوه اسمًا ظل خالدًا حتى اليوم: "شيخ البلد".
 

تم نسخ الرابط