في قلب المواقع الأثرية.. طلاب الترميم يعيدون الحياة لفسيفساء المسرح الروماني
في الوقت الذي تتزايد فيه التحديات التي تواجه المواقع الأثرية حول العالم، يبرز التدريب الميداني لطلاب الترميم باعتباره أحد أهم أدوات الحفاظ على التراث الثقافي، ومن قلب مدينة صبراتة الليبية يواصل طلاب قسم الترميم تنفيذ أعمال صيانة دقيقة لفسيفساء حمامات المسرح الروماني، في تجربة تجمع بين الدراسة الأكاديمية والتطبيق العملي، وتمنح الطلاب فرصة للمشاركة المباشرة في حماية أحد أبرز المعالم الأثرية المطلة على البحر المتوسط.
فلسفة حديثة في تعليم علوم الترميم تقوم على نقل الطالب من قاعة المحاضرات إلى الموقع الأثري

ولا تمثل هذه الأعمال مجرد تدريب جامعي، بل تعكس فلسفة حديثة في تعليم علوم الترميم تقوم على نقل الطالب من قاعة المحاضرات إلى الموقع الأثري، ليواجه بنفسه التحديات التي تتعرض لها الآثار نتيجة التقلبات المناخية وعوامل الزمن والتدخلات البشرية، ويتعلم كيفية التعامل معها وفق أساليب علمية دقيقة تحافظ على أصالة الأثر وقيمته التاريخية.
ويشارك الطلاب في تنظيف أرضيات الفسيفساء وإزالة الأتربة والرواسب والأملاح المتراكمة، مع تثبيت الأجزاء الضعيفة ومعالجة الشروخ البسيطة وإعادة تأهيل بعض المناطق المتضررة باستخدام مواد وتقنيات متخصصة تتوافق مع المعايير الدولية في أعمال الترميم، بما يضمن الحفاظ على المكونات الأصلية للأرضيات دون أي إضافات تشوه قيمتها الأثرية.

وتعد أرضيات الفسيفساء بحمامات المسرح الروماني من أهم الشواهد الفنية التي تعكس براعة الفنانين الرومان، إذ تضم زخارف هندسية ونباتية متقنة نُفذت بآلاف القطع الحجرية الصغيرة الملونة، لتشكل لوحات فنية صمدت لقرون طويلة، وأصبحت اليوم مصدرًا مهمًا لدراسة تاريخ الفن والعمارة والحياة اليومية في المدن الرومانية القديمة.
أهم الشواهد الفنية التي تعكس براعة الفنانين الرومان
ويحتل المسرح الروماني بمدينة صبراتة مكانة استثنائية بين المواقع الأثرية في شمال أفريقيا، فهو من أفضل المسارح الرومانية حفظًا، ويتميز بتصميمه المعماري الضخم وموقعه الفريد المطل على البحر، كما يضم مجموعة من المنشآت الأثرية المهمة، من بينها الحمامات والمعابد والساحات العامة، وهو ما جعله أحد أبرز المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
ويرى المتخصصون أن إشراك الطلاب في مثل هذه المشروعات يسهم في إعداد جيل جديد من المرممين يمتلك الخبرة العملية إلى جانب المعرفة الأكاديمية، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل تزايد الحاجة إلى كوادر مؤهلة تستطيع تنفيذ أعمال الصيانة الوقائية والترميم العلمي للمواقع الأثرية التي تتعرض لمخاطر طبيعية وبشرية متزايدة.

كما تعزز هذه المبادرات ثقافة الحفاظ على التراث لدى الشباب
وتؤكد أن حماية الآثار لا تعتمد فقط على التقنيات الحديثة أو الإمكانات المادية، وإنما تبدأ بالإنسان المؤهل القادر على فهم قيمة كل حجر وكل قطعة فسيفساء، باعتبارها جزءًا من ذاكرة الحضارات التي شكلت تاريخ المنطقة عبر آلاف السنين.
ويؤكد هذا المشروع أن الاستثمار الحقيقي في التراث يبدأ بالاستثمار في الكفاءات البشرية، فكل طالب يشارك اليوم في ترميم موقع أثري يكتسب خبرة ستنعكس مستقبلًا على حماية المزيد من المعالم التاريخية، بما يضمن بقاء هذا الإرث الإنساني شاهدًا حيًا على عظمة الحضارات القديمة، ورسالة ثقافية تنقلها الأجيال من الماضي إلى المستقبل.
