موظف آثار واحد أمام كم موقع أثري؟..حساب يكشف حجم الضغط على العاملين
تدير مصر واحدة من أكبر منظومات التراث الأثري في العالم، وتكشف أحدث الأرقام المعلنة عن حجم ضخم من المسؤوليات الملقاة على عاتق المجلس الأعلى للآثار، في وقت تثار فيه تساؤلات حول مدى كفاية أعداد العاملين وقدرتهم على تغطية هذه المنظومة الممتدة في مختلف محافظات الجمهورية.
وبحسب تصريحات الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، خلال لقاء صحفي في يوليو 2026، يشرف المجلس على نحو 2160 موقعًا أثريًا على مستوى الجمهورية، فيما يبلغ إجمالي العاملين بالمجلس نحو 27 ألفًا و500 موظف، من مفتشي آثار ومرممين وإداريين وأفراد أمن.
الحساب يكشف المفارقة
وبقسمة عدد المواقع الأثرية على إجمالي العاملين، نجد أن المتوسط الحسابي يصل إلى نحو 12.7 موقع أثري لكل 100 موظف، أو موظف واحد تقريبًا لكل 0.08 موقع أثري.
لكن هذا الحساب لا يعني بالطبع أن كل موظف مسؤول عن موقع بعينه، فالقوة البشرية البالغة 27 ألفًا و500 موظف تضم تخصصات ووظائف متعددة، كما أن جزءًا كبيرًا منها يعمل في الإدارات المركزية والقطاعات المختلفة، وليس داخل المواقع الأثرية مباشرة.
وتظل أهمية الرقم في أنه يكشف حجم المنظومة التي يجب أن تغطيها الموارد البشرية للمجلس، وليس مجرد عدد المواقع المفتوحة أمام الجمهور.
المسؤولية تتجاوز المواقع المفتوحة للزيارة
وتزداد الصورة وضوحًا عند النظر إلى طبيعة مسؤوليات المجلس، فاختصاصه لا يقتصر على المواقع التي تستقبل الزائرين، وإنما يمتد إلى تسجيل وحماية وصيانة وترميم الآثار، فضلًا عن المتاحف والمخازن والمناطق الأثرية ومختلف الأنشطة المرتبطة بالتراث المصري. وتوضح وزارة السياحة والآثار أن اختصاص المجلس يشمل الآثار المصرية بمختلف العصور والمواقع والمناطق الأثرية والمتاحف والمخازن وغيرها.
وبالتالي فإن الحديث عن 2160 موقعًا لا يعني وجود 2160 موقعًا سياحيًا يعمل جميعها بنفس الشكل أو يحتاج إلى العدد نفسه من الموظفين، لكن الرقم يعطي مؤشرًا على اتساع نطاق المسؤولية التي تقع على عاتق المجلس.
ماذا عن المواقع المفتوحة أمام الجمهور؟
وتشير بيانات معلنة في يوليو الماضي إلى أن عدد المواقع والمتاحف المفتوحة للزيارة يبلغ نحو 1126 موقعًا، بينما ذكرت تصريحات أخرى أن المجلس يشرف على 2160 موقعًا أثريًا، وهو ما يعكس الفارق بين إجمالي المواقع التي تقع تحت مسؤولية المجلس وبين المواقع المفتوحة للزيارة.
وهذا يعني أن أكثر من ألف موقع لا يدخل بالضرورة في منظومة التشغيل السياحي اليومي، لكنه يظل جزءًا من مسؤولية الدولة في الحماية والحفظ والتسجيل والمتابعة.
27.5 ألف موظف.. لكن التخصصات مختلفة
ولا يمكن التعامل مع رقم 27 ألفًا و500 موظف باعتباره عددًا من العاملين الميدانيين فقط، إذ أوضح الأمين العام أن العدد يشمل مفتشي آثار ومرممين وإداريين وأفراد أمن، ما يجعل توزيع القوة البشرية أكثر تعقيدًا من مجرد إجراء عملية حسابية بين عدد الموظفين وعدد المواقع.
فالموقع الأثري يحتاج إلى منظومة متكاملة، تشمل الحراسة والتفتيش والترميم والصيانة والإدارة والخدمات، بينما يحتاج المتحف إلى أمناء ومفتشين ومرممين وموظفي خدمات وإدارة، فضلًا عن العاملين في القطاعات المركزية التي تدير هذه المنظومة بالكامل.
المعاشات تضيف ضغطًا جديدًا
وتأتي هذه الحسابات في توقيت حساس بالنسبة للقوة البشرية داخل المجلس الأعلى للآثار، خاصة مع اقتراب خروج 747 موظفًا إلى المعاش خلال عام 2027، وفق البيانات الخاصة بحركة الإحالة للمعاش.
وفي حال كان هؤلاء الموظفون محسوبين ضمن إجمالي الـ27 ألفًا و500 عامل المعلن حاليًا، فإن العدد سينخفض نظريًا إلى نحو 26 ألفًا و753 موظفًا بعد خروجهم، ما يضيف ضغطًا جديدًا على عملية توزيع العاملين.
التحدي الحقيقي في التوزيع
وربما لا تكون المشكلة الأساسية في العدد الإجمالي للعاملين فقط، وإنما في كيفية توزيعهم على المواقع والقطاعات المختلفة.
فوجود 27 ألفًا و500 موظف لا يعني بالضرورة أن كل موقع أثري يحصل على احتياجاته البشرية، كما أن بعض المواقع قد تحتاج إلى أعداد أكبر من غيرها بسبب مساحتها أو طبيعتها أو كثافة الزائرين أو احتياجات الحماية والترميم.
ومن هنا يصبح السؤال الأكثر أهمية: كم عدد العاملين الموجودين فعليًا في المواقع الأثرية؟ وكم منهم يعمل في الإدارات والقطاعات المركزية؟
هذه البيانات، إذا تم إعلانها بصورة تفصيلية، يمكن أن تكشف بشكل أكثر دقة حجم العجز في بعض المناطق، وما إذا كانت المشكلة تحتاج إلى تعيينات جديدة أم إعادة توزيع للقوة البشرية الموجودة.
2160 موقعًا أمام قوة بشرية متغيرة
ومع تراجع أعداد العاملين مقارنة بالسنوات السابقة، وخروج دفعات جديدة إلى المعاش، واستمرار الحاجة إلى تشغيل المواقع والمتاحف وتطويرها، يصبح ملف الموارد البشرية واحدًا من الملفات المهمة أمام المجلس الأعلى للآثار.
فالآثار المصرية لا تحتاج فقط إلى تمويل مشروعات الترميم والتطوير، وإنما تحتاج كذلك إلى العنصر البشري القادر على إدارة هذه المشروعات وحماية المواقع ومتابعتها يوميًا.
وفي النهاية، فإن معادلة 2160 موقعًا أثريًا مقابل 27 ألفًا و500 موظف لا تقدم وحدها إجابة عن وجود عجز أو فائض في العمالة، لكنها تكشف بوضوح ضخامة المهمة التي تقع على عاتق المجلس، وتفتح الباب أمام سؤال أكثر دقة: هل أعداد العاملين الحالية موزعة وفق الاحتياجات الفعلية لكل موقع وقطاع، أم أن السنوات المقبلة ستفرض إعادة النظر في خريطة العمالة بالآثار؟





