المومياوات التي أثارت الجدل..من الصبي الذهبي إلى المرأة الحامل وأسرار لم تكشف
لم تعد المومياوات المصرية في العصر الحديث مجرد بقايا أثرية تُعرض داخل المتاحف أو تُدرس باعتبارها شواهد على حضارة امتدت لآلاف السنين، بل تحولت إلى مصدر لا ينضب للاكتشافات العلمية التي أعادت كتابة كثير من فصول التاريخ المصري القديم. فمع التطور الهائل في تقنيات التصوير بالأشعة المقطعية ثلاثية الأبعاد، وتحليل الحمض النووي (DNA)، والفحوص الكيميائية، أصبح العلماء قادرين على استكشاف أسرار المومياوات دون المساس بلفائفها أو فتحها، وهو ما كشف تفاصيل دقيقة عن حياة أصحابها وأمراضهم وأسباب وفاتهم وحتى معتقداتهم الدينية.
وخلال السنوات الأخيرة، تصدرت عدة مومياوات عناوين الصحف العالمية، بعدما كشفت الدراسات عنها نتائج غير مسبوقة أثارت جدلًا واسعًا بين علماء الآثار والأطباء، بل إن بعض هذه النتائج لا يزال محل نقاش علمي حتى اليوم.
وفي هذا التقرير، نستعرض أبرز المومياوات التي أثارت الجدل، وما الذي جعلها حديث المجتمع العلمي حول العالم.
الصبي الذهبي.. 49 تميمة ورسائل إلى العالم الآخر
كان الإعلان عن دراسة "الصبي الذهبي" أحد أبرز الاكتشافات الأثرية خلال السنوات الأخيرة، بعدما كشفت الأشعة المقطعية تفاصيل دقيقة لم يكن من الممكن معرفتها من قبل دون فك لفائف المومياء.
وتعود المومياء إلى طفل توفي في سن تتراوح بين 14 و15 عامًا خلال العصر البطلمي، وقد عُثر عليها داخل مقبرة في جنوب مصر مطلع القرن العشرين، قبل أن تخضع مؤخرًا لدراسة علمية متقدمة باستخدام التصوير المقطعي.
وأظهرت الدراسة أن جسد الطفل احتوى على 49 تميمة مختلفة الأشكال والأحجام، وُزعت بعناية بين طبقات الكتان وداخل التجويف الصدري، وصُنعت من الذهب والأحجار شبه الكريمة والخزف والفخار.
ومن بين أبرز هذه التمائم تميمة الجعران الذهبي الموضوعة فوق القلب، والتي ارتبطت في العقيدة المصرية القديمة بحماية المتوفى أثناء محاكمته في العالم الآخر، إلى جانب لسان ذهبي وُضع داخل الفم حتى يتمكن المتوفى -وفقًا للمعتقدات القديمة- من التحدث أمام الآلهة.
كما كشفت الأشعة عن وجود صندل في قدمي الطفل، في إشارة إلى الاستعداد لرحلة العالم الآخر، وهو ما اعتبره الباحثون دليلًا على المكانة الاجتماعية الرفيعة التي تمتع بها صاحب المومياء، وعلى دقة الطقوس الجنائزية التي أحاطت بدفنه.
واعتبر علماء الآثار أن هذه المومياء قدمت معلومات جديدة حول المعتقدات الجنائزية في العصر البطلمي، دون الحاجة إلى فتح اللفائف أو إتلافها، وهو ما يمثل نقلة كبيرة في أساليب دراسة المومياوات.
المومياء الحامل.. اكتشاف أشعل خلافًا بين العلماء
في عام 2021، أثار فريق من الباحثين البولنديين ضجة عالمية بعدما أعلن أن إحدى المومياوات المحفوظة في المتحف الوطني في وارسو تعود لامرأة كانت حاملًا في شهرها السابع وقت الوفاة.
واستند الباحثون إلى صور الأشعة المقطعية التي قالوا إنها أظهرت بقايا جنين داخل الرحم، معتبرين أن هذه أول حالة معروفة لمومياء حامل في التاريخ.
ووفقًا للدراسة، لم يقم المحنطون باستخراج الجنين أثناء عملية التحنيط، وهو ما اعتبره الباحثون اكتشافًا استثنائيًا قد يغير فهم العلماء لبعض طقوس الدفن في مصر القديمة.
لكن الإعلان لم يمر بهدوء، إذ سرعان ما واجه انتقادات واسعة من عدد من علماء المصريات وخبراء الأشعة، الذين رأوا أن الصور لا تقدم دليلًا قاطعًا على وجود جنين، وأن الأجسام التي ظهرت ربما تكون ناتجة عن تحلل الأنسجة أو تغيرات حدثت داخل الجسم بعد الوفاة.
كما أشار بعض الباحثين إلى أن نتائج الدراسة تحتاج إلى أدلة إضافية قبل اعتمادها علميًا، لتتحول القضية إلى واحدة من أكثر المناقشات إثارة في علم المصريات خلال السنوات الأخيرة.
ورغم مرور سنوات على الإعلان، لا يزال الجدل قائمًا، ولم يُحسم بشكل نهائي ما إذا كانت المومياء تعود بالفعل لامرأة حامل أم لا.
المومياء الصارخة.. وجه حيّر العلماء لأكثر من قرن
من بين أكثر المومياوات إثارة للدهشة والرعب، تبرز "المومياء الصارخة" التي اشتهرت بسبب ملامح وجهها غير المعتادة، إذ ظهرت بفم مفتوح على اتساعه، وكأن صاحبها لفظ أنفاسه الأخيرة في لحظة ألم أو صرخة مدوية.
ومنذ اكتشافها، نسجت حولها عشرات القصص والأساطير، وذهب البعض إلى الاعتقاد بأن صاحبها تعرض لتعذيب أو مات ميتة مأساوية، بينما ربط آخرون شكلها بما عُرف شعبيًا بـ"لعنة الفراعنة".
لكن الدراسات العلمية الحديثة قدمت تفسيرًا أكثر واقعية، إذ أوضح الباحثون أن فتح الفم قد يكون ناتجًا عن تشنج عضلي شديد لحظة الوفاة، أو نتيجة ارتخاء الفك بعد الوفاة وعدم تثبيته أثناء عملية التحنيط، وهي ظاهرة معروفة في بعض الحالات.
كما كشفت دراسات أخرى أن بعض المومياوات الصارخة ربما لم تخضع لطقوس التحنيط الملكية الكاملة، وهو ما قد يفسر اختلاف مظهرها عن بقية المومياوات.
ورغم التقدم العلمي، لا تزال بعض هذه المومياوات تحتفظ بأسرارها، سواء فيما يتعلق بهوية أصحابها أو الظروف الدقيقة التي أحاطت بوفاتهم، لتظل من أكثر الاكتشافات الأثرية إثارة للجدل في العالم.




