البراءة في قضية آثار الدرب الأحمر.. ماذا تقول الحيثيات وما الذي تكشفه؟
أعادت قضية التنقيب عن الآثار في منطقة الدرب الأحمر إلى الواجهة النقاش حول طبيعة الأدلة المطلوبة لإثبات جرائم التنقيب غير المشروع .
وحدود سلطات الضبط القضائي في التعامل مع البلاغات المتعلقة بالبحث عن الآثار. فبعد جلسات من نظر القضية، قضت محكمة جنايات القاهرة ببراءة ستة متهمين، بعدما انتهت إلى بطلان إجراءات الضبط وعدم كفاية الأدلة لإثبات الاتهام، مؤكدة في حيثيات حكمها أن القضاء الجنائي لا يبنى إلا على أدلة يقينية لا يداخلها شك.
ويعد هذا الحكم من القضايا التي تبرز أهمية الالتزام بالإجراءات القانونية منذ اللحظة الأولى لضبط الواقعة، إذ إن أي مخالفة للإجراءات قد تؤثر بصورة مباشرة في سلامة الأدلة وقيمتها أمام المحكمة، وهو ما انعكس بوضوح في هذه القضية.
بداية الواقعة
تعود تفاصيل القضية إلى رصد الجهات الأمنية معلومات عن وجود أعمال حفر داخل أحد العقارات بمنطقة الدرب الأحمر، وهي المنطقة التي تضم عددًا كبيرًا من المباني التاريخية والأثرية.
وعلى إثر ذلك، انتقلت قوة أمنية إلى العقار محل البلاغ، حيث تم ضبط عدد من الأشخاص، وحرر محضر بالواقعة، قبل إحالتهم إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيقات وأحالت القضية إلى محكمة الجنايات.
ووجهت النيابة إلى المتهمين اتهامًا بإجراء أعمال حفر بقصد الحصول على الآثار دون ترخيص، مستندة إلى محضر الضبط، وتحريات الشرطة، وتقرير اللجنة الفنية التي عاينت موقع الحفر.
المحكمة تفحص الإجراءات
وخلال نظر الدعوى، أولت المحكمة اهتمامًا كبيرًا بمشروعية إجراءات الضبط والتفتيش، باعتبارها من الضمانات الأساسية التي كفلها القانون لحماية حرمة المساكن والحقوق الدستورية للمواطنين.
وأوضحت المحكمة في أسباب حكمها أن مأمور الضبط دخل العقار دون الحصول على إذن مسبق من النيابة العامة، كما لم تتوافر حالة قانونية تبرر هذا الدخول، وهو ما ترتب عليه بطلان الإجراء وما نتج عنه من أدلة.
وأكدت المحكمة أن موافقة أحد الأشخاص الموجودين داخل العقار على دخول القوة الأمنية لا تمنح الإجراء المشروعية القانونية، طالما أنه ليس مالكًا للعقار أو صاحب صفة قانونية تخوله الإذن بدخول المسكن.
الأدلة تحت المجهر
لم تتوقف المحكمة عند سلامة الإجراءات فحسب، بل امتد فحصها إلى الأدلة المقدمة في الدعوى.
وأشارت الحيثيات إلى أن ما أورده ضابط الواقعة بشأن مشاهدته أحد المتهمين خارج العقار بملابس متسخة بالأتربة وحمله بعض أدوات الحفر لا يكفي وحده لإثبات ارتكاب جريمة التنقيب عن الآثار، معتبرة أن مثل هذه القرائن لا ترقى إلى مستوى الدليل الجنائي القاطع.
كما رأت المحكمة أن تحريات مباحث القسم جاءت تكرارًا لما ورد في محضر الضبط، دون أن تقدم عناصر جديدة أو مستقلة تدعم الاتهام، وهو ما أضعف من قيمتها في تكوين عقيدة المحكمة.
تعارض في نتائج التحريات
ومن أبرز النقاط التي استندت إليها المحكمة وجود اختلاف واضح بين نتائج التحريات الأمنية.
ففي الوقت الذي أكدت فيه تحريات مباحث القسم صحة الواقعة، انتهت تحريات الإدارة العامة لمباحث السياحة والآثار إلى عدم التوصل إلى ما يؤكد ارتكاب المتهمين للجريمة.
ورأت المحكمة أن هذا التباين بين جهتين مختصتين أوجد حالة من الشك حول سلامة الاتهام، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة المتهمين، تطبيقًا للقاعدة القانونية المستقرة بأن الشك يفسر لصالح المتهم.
تقرير اللجنة الفنية
أثبت تقرير لجنة الآثار وجود أعمال حفر داخل العقار، إلا أن المحكمة أوضحت أن التقرير اقتصر على وصف الحالة الفنية للموقع، ولم يتضمن ما يثبت هوية من قام بأعمال الحفر.
كما لم يقدم التقرير ما يؤكد أن الحفر تم خلال الفترة الزمنية التي نسبت فيها الواقعة إلى المتهمين، الأمر الذي حال دون إمكانية الاعتماد عليه كدليل منفرد على الإدانة.
وأضافت المحكمة أن العقار سبق أن شهد قضية مشابهة انتهت بصدور حكم بالبراءة عام 2021، كما صدر بشأنه قرار إزالة، وهو ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت أعمال الحفر قديمة أم مستحدثة، في ظل غياب دليل فني يحسم هذه النقطة.
الاعتراف بين القانون والواقع
ومن بين الأدلة التي ناقشتها المحكمة أيضًا ما نسبه ضابط الواقعة إلى المتهمين من أقوال اعتبرها اعترافًا.
إلا أن المحكمة رفضت اعتبار هذه الأقوال اعترافًا قانونيًا، بعدما أنكر المتهمون جميع الاتهامات أمام النيابة العامة وأمام هيئة المحكمة، مؤكدة أن الاعتراف الذي يُعتد به قضائيًا يجب أن يكون صريحًا وصادرًا بإرادة حرة، ومتوافقًا مع باقي أدلة الدعوى.
قاعدة قانونية راسخة
أكدت المحكمة في ختام حيثياتها أن الأصل في الإنسان البراءة، وأن الإدانة لا تكون إلا إذا قامت الأدلة القطعية التي تطمئن إليها المحكمة دون شك أو تردد.
وشددت على أن القضاء الجنائي لا يبني أحكامه على الظنون أو الاحتمالات، وإنما على اليقين المستند إلى أدلة صحيحة ومشروعة، وهو ما لم يتوافر في هذه الدعوى.
دلالات الحكم
يعكس الحكم أهمية الالتزام الكامل بالإجراءات القانونية عند ضبط الجرائم، خاصة في القضايا التي تتعلق بالتنقيب عن الآثار، والتي تحتاج إلى أدلة فنية وقانونية متماسكة تثبت وقوع الجريمة وتنسبها بصورة مباشرة إلى مرتكبيها.
كما يؤكد أن وجود أعمال حفر داخل عقار لا يعني بالضرورة مسؤولية الأشخاص الموجودين فيه، ما لم تتوافر أدلة تربط بينهم وبين تلك الأعمال بشكل واضح لا يقبل التأويل.
وفي الوقت نفسه، يبرز الحكم الدور الذي تؤديه المحاكم في فحص الأدلة والإجراءات بصورة دقيقة، بما يحقق التوازن بين مكافحة الجرائم وحماية الضمانات القانونية المكفولة للمتهمين.
وبانتهاء نظر القضية، قضت المحكمة ببراءة المتهمين الستة، لتغلق واحدة من القضايا التي أثارت اهتمام الرأي العام، وتعيد التأكيد على مبدأ قانوني راسخ مفاده أن العدالة الجنائية لا تُبنى إلا على الأدلة اليقينية، وأن الشك يظل دومًا لصالح المتهم متى تعذر الوصول إلى دليل قاطع يثبت مسؤوليته الجنائية.
