رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

هكذا صنع المصريون القدماء أول هوية بصرية موحدة في التاريخ

الجيش المصري القديم
الجيش المصري القديم

الدليل لا يأتي من نص تاريخي بل من مجموعة تماثيل خشبية اكتُشفت داخل مقبرة الأمير مسحتي في منطقة مير بمحافظة أسيوط، وتعود إلى عصر الدولة الوسطى، نحو عام 2000 قبل الميلاد، واليوم، تعرض هذه التحفة الأثرية في المتحف المصري بالتحرير، بينما ينتظر نقلها ضمن سيناريو العرض بالمتحف المصري الكبير.

وللوهلة الأولى، يلفت الانتباه مشهد الجنود وهم يسيرون في صفوف متراصة، يحملون الرماح والأقواس والدروع، لكن المفاجأة الحقيقية تكمن في ملابسهم. فجميع الرماة يرتدون مآزر قصيرة تحمل نقوشًا هندسية متطابقة بألوان متناسقة، تمنح الوحدة العسكرية مظهرًا موحدًا، يكاد يشبه فكرة الزي الرسمي التي تعتمدها الجيوش الحديثة.

ورغم أن البعض يصف هذه النقوش بأنها أول "زي مموه" في التاريخ

فإن علماء الآثار يرون أن هذا الوصف ليس دقيقًا. فالهدف لم يكن إخفاء الجنود عن أنظار العدو كما يفعل التمويه الحديث، بل تمييز كل وحدة عسكرية بصريًا، بحيث يستطيع القائد التعرف على قواته وسط غبار المعركة، في زمن لم تكن فيه أجهزة اتصال أو إشارات إلكترونية.كما أن ظهور عشرات الجنود بالهيئة نفسها، وهم يتحركون في تشكيل منظم، كان يحمل رسالة نفسية قوية للخصم؛ مفادها أنه يواجه جيشًا منضبطًا يخضع لقيادة مركزية، لا مجموعة من المقاتلين الأفراد.

ويضم ماكيت الأمير مسحتي مجموعتين عسكريتين؛ الأولى من الرماة المصريين المزودين بالأقواس والسهام، والثانية من حاملي الرماح والدروع، ويُعتقد أنهم يمثلون جنودًا نوبيين خدموا ضمن الجيش المصري، في مشهد يعكس تنوع تشكيلات القوات المسلحة المصرية منذ فجر التاريخ.

ولا تقتصر أهمية هذا النموذج على قيمته الفنية، بل يُعد من أهم الوثائق الأثرية التي كشفت للباحثين طبيعة التنظيم العسكري في مصر القديمة، وكيف اعتمد المصريون على الانضباط، ووحدة المظهر، والتقسيم الواضح للوحدات، وهي مبادئ لا تزال تمثل أساس الجيوش النظامية حتى اليوم.

وربما لم يخترع المصري القديم الزي المموه بمفهومه العسكري الحديث، لكنه نجح في ابتكار ما هو أعمق:

 هوية بصرية موحدة للجندي المصري، جعلت الجيش يبدو كتلة واحدة متماسكة، في إنجاز سبق كثيرًا من المفاهيم العسكرية التي يظن العالم أنها حديثة. وهذا ما يجعل ماكيت جنود مسحتي ليس مجرد قطعة أثرية، بل شهادة حية على عبقرية التنظيم العسكري المصري قبل أربعة آلاف عام.

تم نسخ الرابط