رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

39 مقبرة معلقة في حضن الجبل، مغامرة الصعود إلى تاريخ المنيا المنسي

مقابر بني حسن
مقابر بني حسن

على الضفة الشرقية لنهر النيل، وحيث تلتقي زرقة المياه بخضرة الوادي قبل أن تصطدم بالمنحدرات الصخرية الشاهقة، يربض واحد من أغرب الكنوز الأثرية في مصر وأكثرها إثارة للدهشة. 

هنا في بني حسن، لا تحتاج لزيارة المقابر تحت الأرض، بل عليك أن ترفع بصرك نحو سفح الجبل؛ لتشاهد 39 مقبرة منحوتة في قلب الصخر، تطل على وادي النيل منذ أكثر من أربعة آلاف عام.

في هذا التحقيق، نخوض رحلة الصعود عبر الدرجات الحجرية لنكتشف أحد أهم مواقع الدولة الوسطى، حيث يروي حكام الأقاليم قصصهم على الجدران بعيدًا عن قصور الفراعنة.

مغامرة الصعود: بانوراما النيل من قلب الجبل

تبدأ الرحلة من أسفل الجبل، حيث تبدو واجهات المقابر كفتحات منتظمة في جدار صخري شاهق، ويقود سلم حجري طويل الزائر إلى أعلى، وسط هدوء الصحراء واتساع الأفق.ومع كل درجة، ينكشف مشهد بانورامي أخّاذ لوادي النيل، حيث تمتد الحقول الخضراء والقرى الريفية على جانبي النهر. 

ومن هذا الموقع المرتفع، يتضح سبب اختيار حكام الإقليم لهذا المكان؛ إذ ظلوا يطلون على أراضيهم التي حكموها حتى بعد رحيلهم

سر النفوذ: مقابر الحكام لا الملوك

 

على خلاف وادي الملوك في الأقصر، فإن جبانة بني حسن لم تُخصص لدفن الملوك، وإنما كانت مدفنًا لحكام إقليم الغزال وكبار المسؤولين خلال عصر الأسرتين الحادية عشرة والثانية عشرة.

وهذا ما منح الموقع أهمية استثنائية؛ فبدلًا من التركيز على النصوص الدينية والطقوس الجنائزية، وثقت الجدران تفاصيل الحياة اليومية، من الزراعة والصيد والصناعة إلى الرياضة والموسيقى والاحتفالات.

ومن بين المقابر الـ39، تُعد أربع مقابر الأكثر شهرة من حيث جودة النقوش والألوان، وهي مقابر: أمنمحات، وخنوم حتب الثاني، وباقيت الثالث، وخيتي.

جدران تنبض بالحياة

عند دخول مقبرة الحاكم "باقيت الثالث"، يلفت الانتباه مشهد يضم مئات أوضاع المصارعة المتتابعة، التي توثق الحركات الرياضية بدقة لافتة، ما جعلها محل اهتمام الباحثين في تاريخ الرياضة والفنون البصرية

ولا تقتصر الرسوم على المصارعة، بل تعرض أيضًا مشاهد لفتيات يمارسن ألعاب التوازن والكرة، ورحلات الصيد في مستنقعات البردي، ومناظر للحياة البرية، لتتحول المقبرة إلى سجل مصور يعكس تفاصيل المجتمع المصري القديم بعيدًا عن الطقوس الجنائزية التقليدية.

لغز الأعمدة: بصمة معمارية سبقت عصرها

ومن أبرز ما يميز مقابر بني حسن واجهاتها ذات الأعمدة المضلعة المنحوتة في الصخر، والتي يرى عدد من الباحثين أنها تمثل نموذجًا معماريًا مبكرًا سبق ظهور الطراز الدوريكي في اليونان بقرون.

ورغم استمرار النقاش الأكاديمي حول طبيعة التأثيرات المتبادلة بين الحضارتين المصرية والإغريقية، فإن مقابر بني حسن تظل شاهدًا على تطور العمارة المصرية خلال الدولة الوسطى، وتحتل مكانة مهمة في تاريخ العمارة القديمة.

الرهان السياحي: كنز ينتظر مزيدًا من الاكتشاف

رغم القيمة التاريخية والفنية للموقع، ما تزال مقابر بني حسن أقل شهرة من المواقع الأثرية الكبرى في الأقصر وأسوان والجيزة.

ويرى متخصصون في السياحة والآثار أن المنيا تمتلك مقومات كبيرة لسياحة الثقافة والمغامرات، بفضل تنوع مواقعها الأثرية وطبيعتها الخلابة، وهو ما يستدعي تعزيز الترويج للموقع، وتطوير الخدمات السياحية، ودمجه بصورة أكبر ضمن البرامج السياحية المحلية والدولية.

ختاما

ليست مقابر بني حسن مجرد مدافن منحوتة في الجبل، بل نافذة مفتوحة على تفاصيل الحياة المصرية قبل أربعة آلاف عام. فمن فوق الهضبة المطلة على النيل، يكتشف الزائر صفحات نابضة بالحياة من تاريخ الدولة الوسطى، ويجد نفسه أمام واحد من أكثر المواقع الأثرية تميزًا في مصر، حيث تمتزج روعة الطبيعة بعبقرية الفن والعمارة في تجربة تستحق أن تكون ضمن أبرز محطات السياحة الثقافية في البلاد.

تم نسخ الرابط