رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

صندل من الذهب عند قدميها.. ماذا أخفى قبر «تويا» طوال 3300 عام؟

الملكة تويا
الملكة تويا

قد تمر العين سريعًا على تفاصيل مومياء مصرية قديمة، فتتوقف عند الوجه أو الشعر أو طريقة التحنيط، لكن أحيانًا تكون أكثر الحكايات إثارة موجودة في مكان لا يلتفت إليه أحد.. عند القدمين.

وهناك تحديدًا، تظهر واحدة من التفاصيل اللافتة المرتبطة بمومياء تويا، إحدى أشهر السيدات في مصر القديمة، والتي عاشت قبل أكثر من 3300 عام، وكانت والدة الملكة تي وجدّة الملك أخناتون.

فبينما تحظى مومياوات الشخصيات الملكية عادة باهتمام كبير بسبب هويتها ومكانتها، تكشف تفاصيل تجهيز أصحابها للدفن عن جانب آخر من معتقدات المصري القديم، وعن اهتمامه بكل ما يرافق المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر.

لا تنظروا إلى الوجه.. انظروا إلى القدمين

عند النظر إلى مومياء تويا، قد لا تلفت القدمين الانتباه من الوهلة الأولى، لكن عند التدقيق تظهر قطعة تبدو للوهلة الأولى كأنها نعل أو صندل بسيط ذي خطوط متوازية.

إلا أن هذه القطعة ليست مجرد تفصيل عابر.

إنها صندل جنائزي مُذهّب ارتبط بتجهيز تويا للدفن، وبقي شاهدًا على الطقوس التي صاحبت انتقالها إلى العالم الآخر.

وبعد مرور آلاف السنين، ما زالت هذه التفاصيل تمنح الباحثين والزائرين فرصة نادرة لتخيل المشهد الذي رافق واحدة من سيدات مصر القديمة في رحلتها الأخيرة.

تويا.. سيدة من قلب الأسرة الملكية

لم تكن تويا شخصية عادية في المجتمع المصري القديم، فقد كانت والدة الملكة تي، إحدى أبرز الشخصيات النسائية في الأسرة الملكية خلال عصر الدولة الحديثة، كما كانت جدة الملك أخناتون.

وتمنح هذه المكانة أهمية خاصة لكل ما ارتبط بموميائها ومقبرتها ومقتنياتها الجنائزية.

فكل قطعة عُثر عليها ضمن سياق دفنها تساعد في تكوين صورة عن مكانتها، وعن الطريقة التي جرى بها تجهيزها، وعن مستوى العناية التي أحاطت بمراسم دفنها.

ومن بين هذه التفاصيل يأتي الصندل المذهّب، الذي يضيف مشهدًا جديدًا إلى قصة المرأة التي أصبحت بعد آلاف السنين واحدة من الشخصيات التي حفظت لنا مصر القديمة ملامحها الجسدية ومقتنياتها الجنائزية.

لماذا الذهب؟

هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.

فالذهب في مصر القديمة لم يكن مجرد معدن ثمين يستخدم للزينة أو لإظهار الثروة، وإنما ارتبط أيضًا بمكانة دينية ورمزية خاصة، وبفكرة الخلود وعدم الفناء.

ولهذا ظهر الذهب في العديد من المقتنيات الجنائزية المرتبطة بالشخصيات ذات المكانة الرفيعة.

لكن وجود صندل مُذهّب عند قدمي تويا يفتح بابًا للتساؤل حول أكثر من معنى؛ فقد يكون جزءًا من إظهار مكانتها، كما يمكن أن يرتبط بالسياق الجنائزي والمعتقدات التي أحاطت برحلة المتوفى إلى العالم الآخر.

والأهم هنا أن المصري القديم لم يكن يتعامل مع تجهيز المتوفى باعتباره مجرد عملية دفن، وإنما كان يحيطها بمجموعة من الطقوس والمقتنيات التي ارتبطت بمعتقداته حول الموت والحياة الأبدية.

الصندل.. أكثر من قطعة للزينة

No photo description available.

ومن السهل أن ينظر الإنسان في العصر الحديث إلى الصندل باعتباره مجرد قطعة تستخدم لحماية القدم أو استكمال المظهر، لكن وضعه ضمن سياق جنائزي يغير طريقة قراءة القطعة تمامًا.

فالمصري القديم اهتم بتجهيز المتوفى من الرأس إلى القدمين، وكانت الملابس والحلي والتمائم والمقتنيات التي توضع مع الجثمان جزءًا من المشهد الجنائزي.

ومن هنا تصبح قطعة صغيرة عند القدمين قادرة على فتح باب واسع لفهم المجتمع القديم؛ كيف كان ينظر إلى المكانة، وكيف كان يتعامل مع الموت، وما الذي كان يعتقد أنه يحتاج إليه الإنسان في رحلته بعد الحياة.

تفاصيل صغيرة.. وقصة كبيرة

المثير في مومياء تويا أن التفاصيل التي قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى تحمل قيمة تاريخية كبيرة.

فالشعر، واللفائف، والحلي، والتمائم، وحتى ما يوضع عند القدمين، كلها عناصر يمكن أن تساعد في قراءة شخصية المتوفى وعصره ومكانته والطقوس التي أحاطت بدفنه.

وهذا ما يجعل دراسة المومياوات مختلفة عن مجرد النظر إليها باعتبارها أجسادًا محفوظة.

فالمومياء نفسها وثيقة تاريخية، والمقتنيات المرتبطة بها تضيف طبقات جديدة إلى هذه الوثيقة، لتكشف جوانب من حياة صاحبها ومن تصور المصري القديم للموت والخلود.

أكثر من 3300 عام.. وما زالت التفاصيل حاضرة

مرت أكثر من ثلاثة آلاف وثلاثمائة عام على وفاة تويا، تغيرت خلالها الحضارات واللغات والحدود والمدن، لكن قطعة صغيرة عند قدمي موميائها ما زالت قادرة على جذب الانتباه.

صندل مُذهّب بقي مرتبطًا بجثمان صاحبته، ليقدم صورة ملموسة عن مستوى العناية التي أحاطت بتجهيز الموتى من أصحاب المكانة الرفيعة.

وربما تكمن روعة الآثار المصرية في هذه التفاصيل تحديدًا؛ فليست دائمًا القطعة الأضخم أو الأكثر شهرة هي التي تحكي القصة الأهم.

أحيانًا يكون السر في شيء صغير جدًا، قد تمر عليه العين دون أن تلاحظه، لكنه يختزن وراءه عالمًا كاملًا من المعتقدات والعادات والرموز.

وفي حالة تويا، يكفي أن تنظر إلى قدمي المومياء لتكتشف أن المصري القديم لم يترك حتى آخر تفاصيل رحلته للصدفة؛ فقد أراد أن تصل صاحبته إلى العالم الآخر وهي محاطة بكل ما يليق بمكانتها.

وبعد أكثر من 3300 عام، لا يزال ذلك الصندل المذهّب عند قدميها يروي جزءًا من الحكاية.

تم نسخ الرابط