رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

26 مفتشًا من 12 محافظة.. كيف تختار وزارة السياحة والآثار كوادرها الجديدة؟

مفتشي الآثار
مفتشي الآثار

 

 

تتطلب مهنة مفتش الآثار اليوم مزيجًا من المعرفة العلمية والخبرة الميدانية والقدرة على استخدام التقنيات الحديثة، خاصة مع تطور أساليب الحفائر والتوثيق ودراسة المكتشفات الأثرية. ولذلك أصبحت عملية تأهيل الكوادر الأثرية خطوة أساسية لضمان التعامل مع المواقع والمكتشفات وفق أسس علمية دقيقة، من لحظة الكشف عنها وحتى تسجيلها ودراستها وحفظها.

وفي هذا السياق، انطلقت فعاليات «مدرسة الحفائر للمبتدئين» لمفتشي الآثار بالمجلس الأعلى للآثار، بمشاركة 26 مفتش آثار من 12 محافظة، جرى اختيارهم من بين نحو 80 متقدمًا، ليخوضوا تجربة تدريبية تجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي داخل منطقتي آثار سقارة وأبو صير.

من 80 متقدمًا إلى 26 مفتشًا

يكشف عدد المتقدمين والمقبولين عن طبيعة عملية الاختيار التي سبقت انطلاق البرنامج؛ فلم يكن الالتحاق بالمدرسة متاحًا لجميع المتقدمين، وإنما جرى اختيار المشاركين وفق اشتراطات ومعايير حددتها اللجنة المختصة.

وتعكس هذه الآلية توجهًا نحو اختيار عناصر لديها القدرة على الاستفادة من التدريب المتخصص، وتحويل المعارف التي يحصلون عليها إلى مهارات يمكن تطبيقها على أرض الواقع داخل المواقع الأثرية.

ويشارك في البرنامج مفتشون من 12 محافظة، بما يمنح التجربة بعدًا جغرافيًا مهمًا، في ظل تنوع المواقع الأثرية المصرية واختلاف طبيعة العمل ومتطلباته من منطقة إلى أخرى.

لماذا يحتاج مفتش الآثار إلى تدريب متخصص؟

العمل داخل موقع أثري يختلف عن الدراسة النظرية؛ فالمفتش يتعامل مع طبقات أرضية ومبانٍ وقطع ومواد مختلفة، وقد تحمل أصغر التفاصيل دلالة تساعد الباحثين في فهم تاريخ الموقع.

ولهذا يحتاج المفتش إلى معرفة كيفية تسجيل المكتشفات وتوثيقها، والتعامل مع الأدلة الأثرية وفق منهج علمي يحافظ على سياقها، إلى جانب امتلاك القدرة على استخدام التقنيات الحديثة التي أصبحت جزءًا أساسيًا من العمل الأثري المعاصر.

ومن هنا، تأتي «مدرسة الحفائر» باعتبارها مساحة تدريبية تربط بين ما يتعلمه المتخصص داخل قاعات الدراسة وبين ما يواجهه فعليًا أثناء العمل الميداني.

6 وحدات.. من الحفائر إلى العظام والنباتات

يمتد البرنامج التدريبي لمدة شهرين حتى نهاية أكتوبر المقبل، ويتضمن ست وحدات دراسية تجمع بين الجوانب النظرية والتطبيقية.

وتشمل هذه الوحدات الحفائر وتقنيات التسجيل والتوثيق الأثري، والمسح الأثري والتصوير ثلاثي الأبعاد، ودراسة الفخار، والثقافة المادية بما تتضمنه من دراسة القطع الأثرية والأدوات الحجرية والرسوم الإيضاحية الأثرية.

كما يتضمن التدريب دراسة العظام الآدمية والعلوم البيئية، بما يشمل النباتات الأثرية والعظام الحيوانية، وهي تخصصات تساعد في الوصول إلى صورة أكثر شمولًا عن حياة المجتمعات القديمة والبيئة التي عاشت فيها.

الأثر لا يبدأ من لحظة ظهوره

من أهم ما تعكسه طبيعة التدريب أن عملية الكشف عن الأثر ليست سوى بداية رحلة طويلة؛ فالقطعة التي تظهر أمام الأثري أثناء الحفر تحتاج إلى تسجيل دقيق لمكان العثور عليها وسياقها، ثم توثيقها ودراستها وربطها بباقي عناصر الموقع.

وهنا تظهر أهمية التدريب على التسجيل والتوثيق، لأن فقدان معلومة واحدة عن موقع القطعة أو طبقتها أو علاقتها بالعناصر المحيطة بها قد يعني فقدان جزء من القصة التي يمكن أن تقدمها هذه القطعة للباحثين.

وبالتالي، فإن المفتش المدرب لا يتعامل مع الأثر باعتباره جسمًا منفصلًا، وإنما باعتباره جزءًا من منظومة أثرية متكاملة.

التكنولوجيا تدخل قلب الحفائر

يأتي إدراج التصوير ثلاثي الأبعاد والمسح الأثري ضمن البرنامج ليعكس التحول الكبير الذي شهدته طرق دراسة المواقع الأثرية خلال السنوات الأخيرة.

فالتكنولوجيا الرقمية تتيح تسجيل تفاصيل المواقع والقطع بصورة أكثر دقة، وتساعد الباحثين على العودة إلى البيانات وإعادة دراسة بعض العناصر دون الاعتماد فقط على المشاهدة المباشرة.

ويمنح تدريب المفتشين على هذه الأدوات فرصة لتطوير مهاراتهم ومواكبة التطورات التي أصبحت حاضرة في العديد من مشروعات التنقيب والتوثيق الأثري حول العالم.

لماذا سقارة وأبو صير؟

اختيار منطقتي سقارة وأبو صير لتطبيق البرنامج عمليًا يمنح المتدربين فرصة للعمل داخل بيئة أثرية حقيقية، والتعامل مع مواقع تضم شواهد ومواد أثرية متنوعة.

كما يسمح التدريب الميداني للمشاركين بفهم الفارق بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، والتعرف على طبيعة العمل داخل الحفائر، وكيفية تسجيل الملاحظات والتعامل مع المكتشفات وفق الإجراءات العلمية.

وبذلك تتحول مناطق الآثار نفسها إلى مساحة تعليمية مفتوحة، يتعلم فيها المفتش من الموقع بقدر ما يتعلم من المحاضرات.

شراكة مصرية دولية لتطوير الكوادر

تنظم «مدرسة الحفائر للمبتدئين» وحدة التدريب المركزي بمكتب وزير السياحة والآثار بالتعاون مع المعهد التشيكي للآثار المصرية بجامعة تشارلز في براغ، وجمعية أبحاث مصر القديمة AERA.

وتعكس هذه الشراكة أهمية الاستفادة من الخبرات الدولية في تطوير برامج تدريب العاملين بالمجال الأثري، خاصة في التخصصات التي تشهد تطورًا مستمرًا في أدواتها ومناهجها.

كما توفر مشاركة متخصصين مصريين وأجانب فرصة لتبادل الخبرات بين المدارس المختلفة في العمل الأثري، وربط التدريب المحلي بالممارسات العلمية المتبعة في المشروعات الأثرية الدولية.

من مدرسة المبتدئين إلى «الحفائر المتقدمة»

لا تنتهي رحلة المتدربين بانتهاء البرنامج الحالي، إذ أوضح المجلس الأعلى للآثار أن هناك توجهًا لاستكمال المسار التدريبي من خلال إلحاق المشاركين ببرنامج «مدرسة الحفائر المتقدمة».

وتكشف هذه الخطوة عن محاولة لبناء منظومة تدريبية متدرجة، تبدأ بتأهيل المفتش في الأساسيات، ثم تمنحه فرصة الانتقال إلى مستويات أكثر تقدمًا، بما يسمح بتراكم الخبرات وعدم التعامل مع التدريب باعتباره دورة منفصلة تنتهي بانتهاء مدتها.

الاستثمار في الإنسان لحماية الأثر

وتأتي هذه البرامج في إطار توجه وزارة السياحة والآثار إلى الاستثمار في العنصر البشري ورفع كفاءة العاملين بها وبالهيئات التابعة لها، باعتبار أن حماية التراث لا تعتمد فقط على الإمكانات المادية أو أحدث الأجهزة، وإنما تحتاج قبل كل شيء إلى متخصص قادر على استخدام هذه الإمكانات بصورة صحيحة.

فالموقع الأثري قد يظل آلاف السنين مدفونًا تحت الأرض، لكن لحظة اكتشافه تمثل مرحلة شديدة الحساسية؛ لأن أي تعامل غير دقيق معه يمكن أن يؤدي إلى فقدان معلومات لا يمكن استعادتها.

مفتش الآثار.. عين الموقع وذاكرته

في النهاية، تكشف تجربة «مدرسة الحفائر» أن إعداد مفتش الآثار لم يعد قائمًا على المعرفة التاريخية وحدها، وإنما أصبح عملية متكاملة تجمع بين علم الآثار والتوثيق والتكنولوجيا والعلوم الطبيعية والعمل الميداني.

فالـ26 مفتشًا الذين وقع عليهم الاختيار لا يخضعون فقط لتدريب على كيفية إجراء الحفائر، وإنما يتعلمون كيف يقرأون الموقع، وكيف يسجلون تفاصيله، وكيف يتعاملون مع الفخار والعظام والأدوات الحجرية والنباتات الأثرية باعتبارها أدلة يمكن أن تساعد في إعادة بناء حياة الإنسان القديم.

ومن هنا، فإن الاستثمار في هذه الكوادر يمثل استثمارًا مباشرًا في ذاكرة مصر نفسها؛ لأن كل موقع أثري يحتاج إلى عين خبيرة تحمي تفاصيله، وكل قطعة يتم الكشف عنها تحتاج إلى من يعرف قيمتها العلمية وسياقها، وكل اكتشاف جديد لا تكتمل قيمته إلا عندما يتم تسجيله ودراسته وحفظه وفق منهج علمي. ومع استمرار التدريب وانتقال المشاركين لاحقًا إلى مستويات أكثر تقدمًا، يمكن أن تتحول «مدرسة الحفائر» إلى أحد المسارات المهمة في إعداد كوادر أثرية تمتلك أدوات العمل الحديث، وتجمع بين خبرة الميدان ودقة العلم، بما يعزز قدرة مصر على حماية تراثها وكشف أسرار مواقعها الأثرية للأجيال المقبلة.

تم نسخ الرابط