رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

مقبرة من عصر جد كارع إيسسي..اكتشاف أثري جديد يكشف أسرار الإدارة والقضاء بسقارة

Go Egypia

 

 

كشفت أعمال موسم حفائر البعثة الأثرية لعام 2026 في منطقة جبانة مارييت شمال سقارة عن مقبرة أثرية تعود إلى أواخر عصر الأسرة الخامسة، وتحديدًا إلى عهد الملك جد كارع إيسسي، لتضيف اكتشافًا جديدًا إلى سجل الاكتشافات التي تكشف تفاصيل الحياة الإدارية والاجتماعية في مصر القديمة.

ولا تكتسب المقبرة أهميتها من قدمها فقط، وإنما من هوية أصحابها والوظائف التي شغلوها، والتي تقدم صورة عن طبيعة الجهاز الإداري والقضائي في مصر القديمة، وتكشف مكانة الكتاب والموظفين المسؤولين عن إدارة شؤون الدولة والمجتمع.

مصطبة متوسطة الحجم تضم مقصورتين جنائزيتين

May be an image of text

تتمثل المقبرة المكتشفة في مصطبة متوسطة الحجم، وتضم مقصورتين جنائزيتين، خُصصت إحداهما لشخص يدعى «يونمين»، بينما ارتبطت المقصورة الثانية بوالده «إيتي».

ويعكس وجود مقصورتين داخل المقبرة نفسها ارتباطًا عائليًا واضحًا بين صاحبيها، كما يفتح المجال أمام الباحثين لدراسة طبيعة العلاقة بين أفراد الأسرة ومكانتهم الوظيفية والاجتماعية خلال تلك الفترة من تاريخ مصر القديمة.

وتأتي هذه المقبرة ضمن سياق جبانة مارييت في شمال سقارة، وهي منطقة ترتبط بعدد من المقابر والمنشآت الجنائزية التي تساعد في رسم صورة أكثر وضوحًا عن المجتمع المصري القديم خلال عصر الدولة القديمة.

يونمين.. قاضٍ ومدير للمحكمة

وتبرز أهمية المقصورة الأولى من خلال صاحبها يونمين، الذي شغل عددًا من المناصب الرفيعة، من بينها منصب القاضي ومدير المحكمة، إلى جانب رئاسته للكتبة المختصين بالنظر في العرائض والشكاوى.

وتكشف هذه المناصب عن أن يونمين لم يكن مجرد موظف إداري، بل كان يشغل موقعًا مرتبطًا بمنظومة القضاء وإدارة العدالة، كما ارتبط عمله بالنظر في شكاوى المواطنين وعرائضهم.

وتقدم هذه التفاصيل نافذة مهمة على طبيعة الإدارة في مصر القديمة، حيث تشير إلى وجود منظومة مؤسسية للتعامل مع النزاعات والشكاوى، وإلى الدور الذي كان يؤديه الكتبة في تسجيل ومتابعة القضايا والمعاملات الرسمية.

العرائض والشكاوى.. صوت المواطن أمام الإدارة

No photo description available.

ويحمل منصب رئيس الكتبة المختصين بالنظر في العرائض والشكاوى دلالة خاصة، لأنه يعكس جانبًا من العلاقة بين المواطن والجهاز الإداري للدولة.

فالكتابة في مصر القديمة لم تكن مجرد وسيلة لتسجيل الأحداث أو النصوص الدينية، وإنما كانت أداة أساسية لإدارة الأراضي والموارد والمحاكم والمؤسسات المختلفة.

ومن خلال هذه الوظائف، يمكن تصور حجم المسؤوليات التي كانت تقع على عاتق الموظفين والكتبة، خصوصًا في مجتمع يعتمد بصورة كبيرة على السجلات والوثائق لتنظيم شؤون الدولة والأفراد.

إيتي.. الأب الذي ارتبط بإدارة الأراضي والقرابين

أما المقصورة الثانية، فتخص والد يونمين، إيتي، الذي شغل بدوره مجموعة من الوظائف الكتابية المرتبطة بإدارة الأراضي الزراعية والقرابين.

وتكشف هذه الوظائف عن جانب آخر من الجهاز الإداري في مصر القديمة؛ فإدارة الأراضي الزراعية كانت من الملفات الحيوية بالنسبة للدولة، في ظل اعتماد الاقتصاد المصري القديم بدرجة كبيرة على الزراعة وما يرتبط بها من موارد وإنتاج.

كما أن ارتباط إيتي بإدارة القرابين يضيف بعدًا دينيًا إلى مسيرته الوظيفية، ويكشف عن تداخل الجوانب الإدارية والدينية في المجتمع المصري القديم.

من القضاء إلى الزراعة.. مقبرة تكشف تنوع وظائف الدولة

ويقدم الجمع بين شخصيتي يونمين وإيتي داخل مقبرة واحدة صورة لافتة عن تنوع الوظائف التي ارتبطت بالطبقات الإدارية في مصر القديمة.

فالأب ارتبط بالكتابة وإدارة الأراضي والقرابين، بينما وصل الابن إلى مناصب أكثر ارتباطًا بالقضاء والمحاكم والتعامل مع الشكاوى والعرائض.

وهذا التسلسل لا يثبت بالضرورة انتقال الوظائف بصورة مباشرة من الأب إلى الابن، لكنه يوضح أهمية التعليم والكتابة والمكانة الإدارية داخل بعض الأسر، كما يعكس تنوع مجالات العمل التي احتاجت إليها الدولة المصرية القديمة لإدارة شؤونها.

جد كارع إيسسي.. سياق زمني مهم للاكتشاف

May be an image of the Great Sphinx of Giza

وتعود المقبرة إلى أواخر عصر الأسرة الخامسة، وتحديدًا إلى عهد الملك جد كارع إيسسي، وهو ما يضعها في مرحلة مهمة من تاريخ الدولة القديمة.

وتتميز هذه الفترة بثراء المصادر الأثرية التي تساعد الباحثين على فهم الإدارة والمجتمع والاقتصاد والمعتقدات الجنائزية، كما أن مقابر كبار الموظفين تمثل مصدرًا أساسيًا لمعرفة تفاصيل الحياة خارج القصور والمعابد الملكية.

ومن هنا تأتي أهمية الكشف الجديد، لأنه لا يقدم مجرد أثر جنائزي، بل يضيف أسماء ووظائف وشخصيات جديدة إلى سجل المجتمع المصري القديم.

سقارة.. سجل مفتوح لتاريخ مصر القديمة

وتواصل منطقة سقارة إثبات قدرتها على تقديم اكتشافات تسهم في إعادة قراءة التاريخ المصري القديم، فكل مقبرة جديدة قد تحمل أسماء أشخاص لم تكن معروفة من قبل، أو تكشف عن وظيفة إدارية، أو تقدم تفاصيل جديدة عن طقوس الدفن والحياة اليومية.

ويمنح اكتشاف مقبرة يونمين وإيتي الباحثين فرصة لدراسة العلاقات الأسرية والوظائف الإدارية والقضائية والزراعية والدينية في مرحلة مبكرة من تاريخ مصر، بما يضيف طبقة جديدة إلى فهم المجتمع الذي نشأ حول مؤسسات الدولة والجبانات الملكية والطبقات الإدارية.

 

 

تم نسخ الرابط