ليلة بـ250 ألف جنيه تقلب خريطة المصيف.. أين يذهب السائحون؟
يشهد سوق الإقامة السياحية في مصر خلال موسم الصيف الحالي تحولات لافتة، مع الارتفاع الكبير في أسعار الإقامة بالساحل الشمالي، والتي وصلت في بعض الحالات إلى نحو 250 ألف جنيه لليلة الواحدة، الأمر الذي دفع جانبًا من الطلب إلى البحث عن بدائل في المقاصد السياحية التقليدية، وفي مقدمتها شرم الشيخ والغردقة.
وبحسب ما نقلته العربية Business عن خبراء ومسؤولين في القطاع، سجلت فنادق في شرم الشيخ والغردقة معدلات إشغال وصلت إلى 100%، بالتزامن مع ظهور قوائم انتظار للحجز تمتد لنحو شهر، في مؤشر يعكس قوة الطلب خلال ذروة الموسم الصيفي.
250 ألف جنيه لليلة.. عندما تصبح تكلفة الإقامة عاملًا حاسمًا
أصبحت تكلفة الإقامة واحدة من أبرز العوامل التي تؤثر في قرارات المصطافين والسائحين عند اختيار الوجهة.
ومع وصول أسعار بعض أماكن الإقامة في الساحل الشمالي إلى مستويات مرتفعة للغاية، باتت المقارنة بين تكلفة قضاء الإجازة في الساحل وبين الإقامة في المقاصد السياحية الأخرى أكثر حضورًا لدى الراغبين في السفر والاستجمام.
ففي الوقت الذي تجذب فيه مناطق الساحل شريحة تبحث عن المنتج الفندقي والترفيهي الفاخر، تدفع الأسعار المرتفعة شرائح أخرى إلى البحث عن خيارات تحقق توازنًا أفضل بين تكلفة الإقامة ومستوى الخدمات والتجربة السياحية.
شرم الشيخ والغردقة.. المستفيد الأكبر من تغير الطلب
في المقابل، تبدو شرم الشيخ والغردقة أمام فرصة للاستفادة من هذا التحول في أنماط الطلب.
فالمدينتان تمتلكان قاعدة فندقية كبيرة، إلى جانب خبرة طويلة في استقبال السائحين من الأسواق الخارجية والمصريين، فضلًا عن تنوع المنتجات السياحية التي تقدمانها.
ومع وصول نسب الإشغال إلى مستويات كاملة وظهور قوائم انتظار، فإن حجم الطلب لا يبدو مرتبطًا فقط بالسياحة الأجنبية، وإنما يعكس أيضًا جاذبية هذه المدن كبدائل لقضاء العطلات الصيفية.
الإشغال الكامل يطرح سؤال الطاقة الفندقية
لكن وصول الفنادق إلى 100% إشغال ليس مجرد مؤشر إيجابي، بل يطرح في الوقت نفسه سؤالًا حول قدرة الطاقة الفندقية على مواكبة الطلب.
فإذا كانت بعض الفنادق لا تستطيع توفير غرف للحجوزات الجديدة إلا بعد أسابيع، فإن ذلك يعني وجود مساحة أمام المستثمرين لإضافة طاقات فندقية جديدة، خاصة في ظل التوقعات باستمرار نمو الحركة السياحية إلى مصر.
وقد تتحول هذه الضغوط خلال مواسم الذروة إلى عامل محفز لمزيد من الاستثمارات الفندقية، سواء من خلال إنشاء منشآت جديدة أو تطوير وتوسعة المنشآت القائمة.
هل يعيد الساحل توزيع خريطة السياحة الداخلية؟
اللافت في المشهد أن المنافسة لا تدور فقط بين المدن السياحية، وإنما بين نماذج مختلفة من الإجازات.
الساحل الشمالي يقدم تجربة ترتبط بالمنتجعات الحديثة والمطاعم والأنشطة الترفيهية والحياة الصيفية، بينما تقدم شرم الشيخ والغردقة تجربة أكثر ارتباطًا بالفنادق والمنتجعات المتكاملة، إلى جانب الأنشطة البحرية والغوص والرحلات.
وبالتالي فإن قرار المسافر لا يعتمد على السعر وحده، وإنما على مجموعة من العناصر تشمل مستوى الفندق، والموقع، والخدمات، والأنشطة المتاحة، وطول فترة الإقامة.
الأسعار المرتفعة لا تعني بالضرورة تراجع الإقبال
ورغم تأثير الأسعار، فإن ارتفاع تكلفة الإقامة في الساحل لا يعني بالضرورة أن الطلب عليه يتراجع.
فالأسعار المرتفعة قد تعكس في جزء منها قوة الطلب ومحدودية المعروض في بعض المناطق خلال ذروة الموسم، خصوصًا أن هناك شريحة من العملاء تستهدف المنتج الفاخر ولا تجعل السعر العامل الرئيسي في قرارها.
لكن في المقابل، يمكن أن تؤدي الفجوة السعرية الكبيرة إلى دفع شرائح أخرى نحو وجهات بديلة، وهو ما يفسر جانبًا من زيادة الضغط على الفنادق في شرم الشيخ والغردقة.
من المستفيد من المعادلة؟
إذا استمر هذا الاتجاه، فقد تكون المدن السياحية التقليدية من أبرز المستفيدين من إعادة توزيع الطلب.
فكلما ارتفعت تكلفة الإقامة في وجهة معينة، زادت فرص الوجهات المنافسة التي تستطيع تقديم مستوى خدمة جيد بأسعار أكثر تنوعًا.
وهنا تمتلك شرم الشيخ والغردقة ميزة مهمة تتمثل في وجود عدد كبير من الفنادق والمنتجعات، ما يسمح نظريًا بتقديم شرائح سعرية مختلفة واستيعاب أنماط متعددة من الزوار.
قوائم الانتظار.. علامة على سوق ساخن
ظهور قوائم انتظار تمتد لنحو شهر في بعض الفنادق يمثل إشارة مهمة إلى حالة الطلب خلال الموسم الحالي.
فالسوق الذي يصل فيه العميل إلى مرحلة الانتظار للحصول على غرفة يعكس وجود ضغط على المعروض، خصوصًا خلال فترات الذروة.
لكن استمرار هذا الوضع لفترة طويلة قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بدوره، أو دفع المستثمرين إلى زيادة الطاقة الفندقية للاستفادة من الطلب الموجود.
فرصة جديدة أمام الاستثمار الفندقي
من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى هذا المشهد باعتباره فرصة أمام الاستثمار السياحي.
فمصر تستهدف زيادة أعداد السائحين خلال السنوات المقبلة، وهو ما يتطلب بالتوازي زيادة أعداد الغرف الفندقية، وليس فقط جذب مزيد من الزوار.
وإذا استمر الطلب المرتفع على المقاصد الشاطئية، فإن الاستثمار في الفنادق والمنتجعات الجديدة وتطوير المنشآت القائمة يمكن أن يصبح أحد المسارات الرئيسية لتعظيم العائد من النمو السياحي.
الساحل أم البحر الأحمر؟
في النهاية، لا تبدو المنافسة بين الساحل الشمالي وشرم الشيخ والغردقة مجرد منافسة على السائح، وإنما تعكس تنوع المنتج السياحي المصري.
الساحل يمتلك جاذبية خاصة لدى قطاع من المصطافين الباحثين عن تجربة صيفية فاخرة، بينما تتمتع شرم الشيخ والغردقة بخبرة طويلة في السياحة الشاطئية الدولية، إلى جانب البنية الفندقية الكبيرة وتنوع الأنشطة.
ومع وصول أسعار بعض الإقامات في الساحل إلى 250 ألف جنيه لليلة، وفي المقابل تسجيل إشغالات كاملة وقوائم انتظار في عدد من فنادق شرم الشيخ والغردقة، تبدو السوق أمام معادلة جديدة.
فهل تكون الأسعار القياسية في الساحل الشمالي سببًا في إعادة توزيع الطلب السياحي داخل مصر، وتحويل شرم الشيخ والغردقة إلى المستفيد الأكبر من البحث عن بدائل أكثر تنوعًا في الأسعار؟



