رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

ما الذي ظل مدفونًا 150 عامًا؟.. قصة الحفائر الجديدة في ذراع أبو النجا بالأقصر

مقابر ذراع ابوالنجا
مقابر ذراع ابوالنجا

في قلب البر الغربي بمدينة الأقصر، حيث تمتد التلال الصخرية التي احتضنت مقابر المصريين القدماء لآلاف السنين، لا تزال الأرض تخفي شواهد جديدة على تاريخ الحضارة المصرية القديمة. فبين آبار الدفن والمقابر المنحوتة في الصخور وطبقات الرديم المتراكمة عبر الزمن، تواصل البعثات الأثرية أعمالها بحثًا عن أدلة تساعد على فهم حياة المصريين القدماء ومعتقداتهم وطقوسهم الجنائزية.

وفي منطقة ذراع أبو النجا، أسفرت أعمال حفائر البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار عن مجموعة من الاكتشافات التي أعادت تسليط الضوء على أهمية الجبانة، بعدما نجح الباحثون في الوصول إلى جزء من الموقع ظل مغطى بمخلفات حفائر أثرية سابقة لأكثر من قرن ونصف القرن.

وأعلنت وزارة السياحة والآثار، في 14 مايو 2026، نتائج هذه الأعمال التي بدأت في نوفمبر 2025، وشملت العثور على عشرة توابيت خشبية، ومقبرة جديدة لأحد كهنة معبد آمون، وهريم حجري يحمل اسم صاحبه، فضلًا عن دفنة تضم أكثر من 30 مومياء لقطط صغيرة وكبيرة. وتقدم هذه المكتشفات صورة متعددة الجوانب عن الممارسات الجنائزية والأنشطة الدينية في طيبة القديمة. 

لماذا بقيت المنطقة مغطاة لأكثر من 150 عامًا؟

تعود أهمية الاكتشاف إلى طبيعة الموقع الذي استهدفته البعثة المصرية؛ إذ تركز العمل في الجزء الجنوبي الشرقي من مقبرة روي، المعروفة أثريًا بالرقم «تي تي 255»، وهي منطقة كانت مغطاة بالكامل برديم ناتج عن أعمال بعثات أثرية سابقة منذ أكثر من 150 عامًا.

ولا يعني ذلك أن جميع المكتشفات ظلت في مكانها دون أي تدخل طوال هذه المدة، بل يشير إلى أن طبقات الرديم المتراكمة حجبت أجزاء من المنطقة، ما جعل الوصول إليها يتطلب أعمال رفع وتنظيف وحفر دقيقة.

وتبرز أهمية هذه الأعمال في أن الرديم الأثري قد يحجب مداخل مقابر أو آبار دفن أو أجزاء معمارية لم تُستكمل دراستها، كما يمكن أن يحتوي على مواد تساعد في فهم تاريخ الموقع وتسلسل أعمال الحفر التي جرت فيه.

ويُعد موسم الحفائر الذي بدأت أعماله في نوفمبر 2025 الموسم الثامن للبعثة المصرية العاملة في المنطقة، وهو ما يعكس استمرار العمل الميداني والعلمي على مراحل، للوصول إلى المكتشفات وتوثيقها ودراسة علاقتها بالمقابر المحيطة بها.

وتؤكد هذه التجربة أن الاكتشافات الأثرية لا ترتبط دائمًا بالعثور على مقبرة كاملة أو تمثال ضخم؛ فقد يبدأ الكشف بإزالة طبقات متراكمة من الأتربة والرديم، ثم تتوالى النتائج مع ظهور تفاصيل جديدة لم تكن واضحة من قبل. 

عشرة توابيت خشبية.. خبيئة جمعت موتى من عصور مختلفة

من أبرز نتائج الحفائر العثور على عشرة توابيت خشبية داخل بئر دفن يقع في فناء مقبرة باكي. وقد وُصفت التوابيت بأنها جيدة الحفظ نسبيًا، وتحمل مناظر ونصوصًا متنوعة تساعد على دراسة أصحابها والفترات التاريخية التي تنتمي إليها.

وأظهرت الدراسات الأولية أن أربعة من التوابيت تعود إلى عصر الأسرة الثامنة عشرة، ومن بينها تابوت يحمل اسم «مريت»، التي ارتبطت بلقب منشدة المعبود آمون. كما عُثر على تابوت من عصر الرعامسة يحمل اسم «بادي آمون»، الذي شغل وظيفة كاهن بمعبد آمون، بينما تعود التوابيت الأخرى إلى العصر المتأخر.

ويكشف اختلاف تواريخ التوابيت عن أهمية دراسة البئر بوصفه مكانًا جمع مقتنيات جنائزية تنتمي إلى فترات متعددة، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجموعة متجانسة تعود إلى عصر واحد.

ورجحت الدراسات الأولية أن البئر استُخدم في العصور القديمة خبيئةً لحفظ التوابيت بعد نقلها من أماكن دفنها الأصلية، بهدف حمايتها، لا سيما في ظل تدهور حالة المومياوات الموجودة بداخلها.

وتُعد الخبيئة الجنائزية مكانًا تُجمع فيه توابيت أو مقتنيات جنائزية نُقلت من مواضعها الأصلية. وقد تساعد دراسة هذه المواقع على فهم كيفية تعامل المصريين القدماء مع المقابر ومحتوياتها، والوسائل التي اتبعوها لحماية الجثامين والمقتنيات من التلف أو الاعتداء.

لكن تحديد الظروف الدقيقة التي أدت إلى نقل كل تابوت، ومعرفة المواقع الأصلية التي جاء منها، يظل أمرًا يرتبط بنتائج الفحص العلمي للنقوش والتوابيت والمومياوات، وبمقارنة الأدلة بعضها ببعض.

مقبرة كاهن جديد.. أسماء لم تظهر في المصادر المعروفة

لم تتوقف المكتشفات عند التوابيت، إذ نجحت البعثة في الكشف عن مقبرة الكاهن المطهر بمعبد آمون «عا شفي نختو»، الواقعة في الركن الجنوبي من فناء مقبرة باكي.

وتتكون المقبرة من فناء صغير يتقدمه بئر مستطيل الشكل، بينما يضم مدخلها مناظر لتقديم القرابين ونصوصًا جنائزية، تؤدي إلى صالة مستطيلة تنتهي بحجرة الدفن.

وتحمل النقوش معلومات عن صاحب المقبرة وأفراد أسرته، من بينها اسم والده «بادي آمون»، الذي حمل اللقب نفسه، إلى جانب اسمي زوجتيه «إيزيس» و«تا كافت»، اللتين ارتبطتا بلقب منشدة بمعبد آمون.

وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة؛ لأن النقوش الجنائزية لا تسجل أسماء المتوفين فقط، بل تقدم أدلة على وظائفهم وصلاتهم العائلية ومكانتهم داخل المؤسسات الدينية.

كما تتيح دراسة الألقاب مقارنة الوظائف التي حملها أصحاب المقابر، والتعرف على طبيعة العمل داخل المعابد، والعلاقات التي ربطت الكهنة وأسرهم بالمؤسسات الدينية في طيبة القديمة.

ووفقًا لما أعلنته وزارة السياحة والآثار، فإن أصحاب المقابر التي كُشف عنها ضمن أعمال البعثة لم ترد أسماؤهم في المصادر التاريخية المعروفة من قبل، كما وثقت النقوش ألقابًا ووظائف جديدة. وهو ما يجعل الدراسة التفصيلية للنصوص المكتشفة خطوة مهمة لتوسيع المعرفة بالشخصيات التي عاشت في تلك الفترات. 

هريم حجري يفتح باب البحث عن مقبرة صاحبه

ومن بين المكتشفات اللافتة العثور على هريم صغير من الحجر الرملي داخل مقبرة تحمل الرقم «دي بي 91»، وقد نُقش عليه اسم «بنجي» ولقبه «الكاتب والنبيل»، إلى جانب مناظر تُظهره في وضع تعبدي.

وتكمن أهمية الهريم في ارتباطه بالعمارة الجنائزية المصرية القديمة؛ إذ كانت بعض المقابر تعلوها أهرام صغيرة، تؤدي وظيفة رمزية مرتبطة بالدفن والمعتقدات الدينية.

وأشار مسؤولو المجلس الأعلى للآثار إلى أن العثور على الهريم قد يرجح وجود مقبرة صاحبه بالقرب من منطقة الحفائر، إلا أن المقبرة الأصلية لم يُعثر عليها حتى الآن.

كما تشير المعطيات المعلنة إلى أن المقبرة التي كان يعلوها الهريم ربما كانت مزودة بهرم من الطوب اللبن تعرض للتدمير بمرور الزمن.

ويطرح هذا الاكتشاف سؤالًا أثريًا مهمًا: هل يمكن أن يقود العثور على قطعة معمارية منفصلة إلى تحديد موقع المقبرة التي كانت تنتمي إليها؟

الإجابة تعتمد على مواصلة البحث في المنطقة المحيطة، ودراسة اتجاهات القطعة ونقوشها وخصائصها، ومقارنتها بما يظهر من عناصر معمارية أخرى. وقد يمثل الهريم دليلًا يساعد الباحثين على تحديد نطاق البحث، لكنه لا يكفي وحده لتأكيد موقع المقبرة المفقودة.

أكثر من 30 مومياء قطط.. جانب آخر من المعتقدات القديمة

وفي الطبقات الأخيرة من الرديم جنوب مقبرة باكي، عثرت البعثة على دفنة تضم أكثر من 30 مومياء لقطط صغيرة وكبيرة، من بينها قطط برية وأليفة، ملفوفة بأقمشة كتانية ومربوطة بأشرطة من الكتان.

ويرجح أن تعود هذه الدفنة إلى العصر البطلمي، وهي فترة شهدت انتشار ممارسات دينية ارتبطت بتحنيط الحيوانات وتقديمها قرابين رمزية في سياقات دينية مختلفة.

وتكشف مومياوات الحيوانات عن جانب من علاقة المصريين القدماء بالعالم الطبيعي، وعن تنوع الممارسات الجنائزية والدينية التي لم تقتصر على البشر وحدهم.

غير أن تفسير كل دفنة حيوانية يتطلب دراسة طبيعة المومياوات وطرق لفها وحالتها وموضع العثور عليها، إلى جانب الأدلة الأثرية المحيطة بها. فوجود القطط المحنطة لا يعني بالضرورة أن جميعها كانت حيوانات أليفة، كما لا يمكن تحديد الغرض الديني الدقيق من دفنها اعتمادًا على العدد وحده.

ومن هنا تأتي أهمية الفحوص العلمية التي تساعد على معرفة أساليب التحنيط المستخدمة، ومدى التشابه أو الاختلاف بين المومياوات، وما إذا كانت قد دُفنت في وقت واحد أو جُمعت في مراحل مختلفة.

ويضيف هذا الكشف بُعدًا آخر إلى نتائج الحفائر؛ فالموقع لم يقدم توابيت ومقابر بشرية فحسب، بل كشف أيضًا عن شواهد ترتبط بالممارسات الدينية التي شملت الحيوانات المحنطة. 

ماذا تكشف هذه المكتشفات عن ذراع أبو النجا؟

تُعد ذراع أبو النجا جزءًا من جبانة طيبة القديمة في البر الغربي للأقصر، وهي منطقة ارتبطت بالدفن خلال فترات متعددة من تاريخ مصر القديمة. وتساعد المقابر المنتشرة بها على دراسة المجتمع الطيبي من زوايا تتجاوز تاريخ الملوك، لتشمل الكهنة والكتبة والموظفين وأفراد الأسر المرتبطة بالمؤسسات الدينية.

وتكشف مكتشفات الموسم الأخير عن ثلاثة مسارات بحثية رئيسية: الأول يتعلق بالتوابيت التي جُمعت داخل خبيئة، والثاني بالنقوش التي توثق أسماء ووظائف شخصيات لم تكن معروفة من قبل، والثالث بالممارسات الجنائزية والدينية التي تظهر في الهريم الحجري ومومياوات الحيوانات.

وتبرز قيمة هذه النتائج في الجمع بين أنواع مختلفة من الأدلة الأثرية داخل نطاق جغرافي واحد؛ فالتابوت يقدم معلومات عن صاحبه وعصره، والنقش يوضح بعض جوانب هويته ومكانته، أما التخطيط المعماري للمقبرة فيساعد على فهم تصميمها واستخدام حجراتها.

ولا تكتمل قيمة أي اكتشاف بمجرد الإعلان عنه؛ إذ تحتاج القطع الأثرية إلى الفحص والتوثيق والترميم، كما تحتاج النقوش إلى القراءة والمقارنة بالمصادر التاريخية، قبل الوصول إلى استنتاجات أكثر دقة بشأن أصحاب المقابر وتواريخها والظروف التي أحاطت باستخدامها.

ولهذا أعلن مسؤولو الآثار استمرار أعمال الدراسة والتوثيق العلمي والترميم والصيانة الدقيقة للتوابيت واللقى والمقابر المكتشفة، تمهيدًا لعرض النتائج العلمية بصورة متكاملة.

هل تخفي ذراع أبو النجا اكتشافات أخرى؟

تؤكد نتائج الحفائر أن الموقع لا يزال يتيح فرصًا لمزيد من البحث، خاصة في المناطق التي تتطلب إزالة الرديم أو استكمال دراسة الحجرات والآبار المرتبطة بالمقابر القديمة.

لكن الحديث عن اكتشافات مستقبلية يظل احتمالًا مرتبطًا بنتائج العمل الميداني، وليس وعدًا بالعثور على كنوز جديدة. فالأثر الذي يبدو بسيطًا قد يقدم معلومة تاريخية مهمة، بينما تحتاج بعض المواقع إلى سنوات من الدراسة قبل فهم طبيعتها بصورة كاملة.

وتكمن أهمية ذراع أبو النجا في قدرتها على تقديم سجل متنوع من الأدلة التي تساعد على فهم المجتمع المصري القديم، من المعتقدات الجنائزية إلى الوظائف الإدارية والدينية، ومن طرق حماية التوابيت إلى استخدام الحيوانات المحنطة في الطقوس.

وبين عشرة توابيت جمعتها خبيئة قديمة، ومقبرة تحمل أسماء كاهن وأفراد أسرته، وهريم لا تزال مقبرة صاحبه مجهولة، وعشرات القطط المحنطة، تواصل حفائر ذراع أبو النجا فتح نوافذ جديدة على تاريخ الأقصر.

أما ما ظل مغطى تحت الرديم لأكثر من 150 عامًا، فقد أصبح اليوم جزءًا من رحلة علمية لا تنتهي عند اكتشاف القطع، بل تبدأ منها أسئلة جديدة عن أصحابها وحياتهم ومعتقداتهم والعالم الذي عاشوا فيه.

تم نسخ الرابط