ماذا تخبئ جبانة الأغاخان؟.. أسرار جديدة تنتظر البعثة المصرية الإيطالية بأسوان
المحتويات
تواصل البعثة الأثرية المصرية الإيطالية المشتركة أعمال الحفائر والدراسات الأثرية في منطقة الأغاخان بالبر الغربي لمدينة أسوان، في إطار موسم جديد من العمل الذي يستهدف الكشف عن المزيد من تفاصيل الجبانة الأثرية، ودراسة المقابر المكتشفة وما تضمه من مومياوات ولقى ونقوش، إلى جانب توثيق العناصر الأثرية والحفاظ عليها. وقد تابع مسؤولو وزارة السياحة والآثار مؤخرًا سير أعمال البعثة، مؤكدين أهمية الالتزام بالخطة العلمية والاشتراطات المنظمة لأعمال الحفائر.
جبانة تكشف طبقات متعاقبة من تاريخ أسوان
ولا تأتي أهمية منطقة الأغاخان من عدد المقابر التي تم رصدها فقط، وإنما من طبيعة الموقع وتنوع الدفنات والفترات التاريخية التي تمثلها. وتشير بيانات جامعة ميلانو إلى أن مشروع البعثة المصرية الإيطالية، المعروف باسم EIMAWA، بدأ العمل في المنطقة منذ عام 2018، وتم خلال السنوات الماضية تحديد وترقيم مئات المقابر، مع إجراء حفائر فعلية في عدد منها. وتعود الدفنات التي تمت دراستها إلى فترات تمتد من القرن السادس أو الخامس قبل الميلاد وحتى القرنين الثاني والثالث الميلاديين، وهو ما يجعل الموقع مصدرًا مهمًا لدراسة التحولات التاريخية والاجتماعية في أسوان عبر فترات زمنية متعاقبة.
وتكشف طبيعة المقابر عن اختلافات في التصميم والموقع والمواد المستخدمة، بما يعكس وجود تباين اجتماعي بين أصحاب الدفنات. كما أظهرت أعمال المسح الجيوفيزيائي ودراسة الصور والبيانات المكانية أن توزيع المقابر لم يكن عشوائيًا بالكامل، بل ظهرت مؤشرات على وجود تنظيم واضح لبعض أجزاء الجبانة.
أكثر من مجرد حفائر أثرية
أحد أسباب استمرار العمل في منطقة الأغاخان هو أن المشروع لا يعتمد على الحفر والكشف عن المقابر فقط، وإنما يقوم على برنامج متعدد التخصصات يجمع بين علم المصريات والأنثروبولوجيا وعلم الآثار الحيوية ودراسة النباتات والحيوانات، إلى جانب استخدام وسائل التصوير الطبي الحديثة لفحص بعض المومياوات والبقايا البشرية.
وبحسب جامعة ميلانو، خضع أكثر من 200 فرد لدراسات أنثروبولوجية بهدف تحديد خصائصهم البيولوجية ودراسة الحالات المرضية، كما استخدمت تقنيات التصوير بالأشعة السينية المحمولة، إلى جانب الأشعة المقطعية التي أجريت لبعض الحالات في مستشفى جامعة أسوان، بما أتاح للباحثين معلومات عن الحالة الصحية وأسباب الوفاة وبعض الممارسات الجنائزية.
وتمنح هذه الدراسات الموقع قيمة تتجاوز اكتشاف المقابر ذاتها؛ إذ يمكن من خلالها محاولة إعادة بناء جانب من حياة سكان أسوان القديمة، والتعرف على أعمارهم وحالتهم الصحية وبعض الأمراض التي عانوا منها، فضلًا عن دراسة طبيعة المجتمع الذي استخدم الجبانة عبر فترات مختلفة.
مقابر ونقوش ومومياوات.. ماذا كشفت المواسم السابقة؟
شهدت المنطقة خلال المواسم السابقة مجموعة من الاكتشافات المهمة، من بينها مقابر منحوتة في الصخر تعود إلى العصرين اليوناني والروماني، احتوت على نقوش هيروغليفية جيدة الحفظ.
ومن أبرز الاكتشافات المقبرة رقم 38، التي تقع على عمق يزيد على مترين تحت سطح الأرض، ويؤدي إليها سلم حجري مكون من تسع درجات تحيط به مصاطب من الطوب اللبن كانت تستخدم لوضع القرابين الجنائزية. وداخل المقبرة عُثر على تابوت من الحجر الجيري، إلى جانب نصوص هيروغليفية تتضمن أدعية للآلهة المحلية واسم صاحب المقبرة «كا-مِسيو»، فضلًا عن أسماء عدد من أفراد أسرته، كما عُثر على مومياوات من بينها مومياوات لأطفال.
وتكشف هذه التفاصيل عن أهمية المقابر ليس فقط باعتبارها أماكن للدفن، وإنما باعتبارها مصادر للمعلومات حول العقائد الدينية واللغة والعلاقات الأسرية والتقاليد الجنائزية في المجتمع القديم.
مقبرة تضم نحو 20 مومياء
ومن الاكتشافات اللافتة التي سجلتها البعثة في مواسم سابقة مقبرة منحوتة في الصخر من العصر اليوناني الروماني، عُثر داخلها على ما يقرب من 20 مومياء، معظمها في حالة جيدة من الحفظ، إلى جانب مجموعة متنوعة من الأدوات واللقى الجنائزية.
وشملت المكتشفات موائد قرابين، ولوحات حجرية تحمل نصوصًا هيروغليفية، وعقدًا نحاسيًا يحمل كتابة باللغة اليونانية واسم «نيكوستراتوس»، إضافة إلى تماثيل خشبية لطائر «البا»، وأجزاء من كارتوناج ملون، وتوابيت من الفخار والحجر الرملي. وتساعد هذه المجموعة المتنوعة الباحثين في دراسة طقوس الدفن والتقاليد الجنائزية خلال العصر اليوناني الروماني في أسوان.
لماذا تستمر الحفائر؟
استمرار البعثة في الموقع يرتبط بعدة أهداف متوازية؛ يأتي في مقدمتها استكمال الكشف عن أجزاء الجبانة التي لم تُدرس بعد، وفهم العلاقة بين المقابر المختلفة، وتحديد التسلسل الزمني لاستخدام المنطقة، فضلًا عن دراسة الاختلافات الاجتماعية بين أصحاب المقابر.
كما أن المشروع يحمل جانبًا مهمًا يتعلق بالحماية والحفاظ على الموقع. وتشير جامعة ميلانو إلى أن المنطقة كانت مهددة بأعمال الحفر غير الشرعي، وهو ما جعل حماية الموقع وتوثيقه جزءًا أساسيًا من أهداف البعثة منذ بداية المشروع. وخلال السنوات الماضية جرى العمل على تحسين إمكانية الوصول إلى الموقع، وإدخال المياه والكهرباء، وتنفيذ إضاءة جزئية، فضلًا عن تأمين بعض المقابر وإغلاقها بأبواب حديدية، والعمل على إعداد تصور لإدارة الموقع.
الأغاخان.. نافذة على مجتمع أسوان القديم
وتكمن أهمية جبانة الأغاخان في أنها لا تقدم قصة مقبرة واحدة أو اكتشافًا منفردًا، وإنما تتيح للباحثين قراءة مجتمع كامل من خلال آثاره الجنائزية.
فالمقابر الكبيرة الموجودة في أجزاء مرتفعة من الجبانة تشير إلى دفن أفراد من طبقات اجتماعية عليا، بينما تكشف المقابر الموجودة في المناطق المنخفضة عن أنماط مختلفة من الدفن والاستخدام. كما تساعد دراسة مواقع المقابر وتصميماتها والمواد التي عُثر عليها بداخلها في فهم طبيعة المجتمع المحلي وتطوره خلال العصرين البطلمي والروماني والفترات السابقة واللاحقة.
ماذا يمكن أن تكشف المواسم المقبلة؟
مع استمرار أعمال الحفائر، يظل المجال مفتوحًا أمام اكتشاف مقابر ودفنات جديدة، خصوصًا أن الدراسات السابقة أظهرت امتدادًا واسعًا للجبانة وتنوعًا في أشكال المقابر وتوزيعها.
ولا يقتصر المستقبل العلمي للموقع على الاكتشافات الجديدة، بل يمتد إلى النتائج التي يمكن أن تنتج عن تحليل المومياوات والمواد العضوية واللقى الجنائزية، فضلًا عن التحاليل الكيميائية والفيزيائية والإشعاعية والنظائرية التي تخطط الفرق العلمية لإجرائها في مراحل لاحقة.
وهكذا تتحول جبانة الأغاخان من مجرد موقع للحفائر إلى مشروع بحثي متكامل، يجمع بين الكشف الأثري والتوثيق والحفظ والتحليل العلمي، بما يتيح إعادة قراءة جانب مهم من تاريخ أسوان وسكانها عبر قرون متعاقبة. ومع كل موسم جديد، تظل الأسئلة مفتوحة حول هوية أصحاب المقابر، وعلاقاتهم الأسرية، وأوضاعهم الصحية، وطقوس دفنهم، وطبيعة المجتمع الذي عاش في هذه المنطقة من جنوب مصر.
- # جبانة الأغاخان
- # منطقة الأغاخان
- # ضريح الأغاخان
- # البعثة المصرية الإيطالية
- # البعثة الإيطالية في أسوان
- # حفائر الأغاخان
- # آثار أسوان
- # غرب أسوان
- # اكتشافات أسوان
- # المقابر الأثرية
- # المقابر العائلية
- # المومياوات
- # المومياوات المصرية
- # النقوش الهيروغليفية
- # العصر اليوناني الروماني
- # العصر البطلمي
- # العصر الروماني
- # الحضارة المصرية القديمة
- # المجلس الأعلى للآثار
- # جامعة ميلانو
- # البعثات الأثرية
- # الحفائر الأثرية
- # السياحة الثقافية
- # التراث المصري
- # أسرار أسوان