رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

كيف ماتت حتشبسوت؟.. مومياء الملكة تكشف أسرار أيامها الأخيرة

مومياء حتشبسوت
مومياء حتشبسوت

ملكة حكمت مصر لأكثر من عقدين.. اختفت مومياؤها لقرون.. ثم أعاد سنّ واحد فتح ملف وفاتها

لم تكن وفاة الملكة حتشبسوت نهاية عادية لحياة واحدة من أشهر حكام مصر القديمة، فبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، ظل السؤال قائمًا: كيف ماتت الملكة التي جلست على عرش مصر لأكثر من عشرين عامًا؟

لعقود طويلة، بقي مصير مومياء حتشبسوت غامضًا، خاصة بعدما عُثر على مقبرتها في وادي الملوك دون العثور على جسدها. لكن رحلة البحث عن المومياء قادت علماء الآثار إلى مقبرة أخرى، ثم إلى فحوص بالأشعة المقطعية كشفت تفاصيل جديدة عن الحالة الصحية للملكة في سنواتها الأخيرة.

مومياء مجهولة.. تقود إلى الملكة الغائبة

في عام 1903، اكتشف عالم الآثار هوارد كارتر المقبرة KV60 في وادي الملوك، وعثر بداخلها على مومياءين لسيدتين. إحدى المومياءين ارتبطت بمرضعة حتشبسوت، بينما بقيت الأخرى مجهولة الهوية لسنوات طويلة.

ومع إعادة فتح ملف المومياوات الملكية، خضعت المومياء المجهولة لفحوص متقدمة، وأصبحت من أبرز المرشحين لكونها حتشبسوت.

وجاء أحد أهم الأدلة من مكان غير متوقع: سن عُثر عليه داخل صندوق يحمل اسم حتشبسوت. وعند مقارنة السن بفك المومياء، وجد الباحثون تطابقًا بين جذر السن والفراغ الموجود في الفك، وهو ما دعم تحديد هوية المومياء باعتبارها حتشبسوت.

الأشعة المقطعية.. ماذا أخفت المومياء؟

لم يكن تحديد الهوية هو نهاية القصة، بل كان بداية الجانب الأكثر إثارة في التحقيق: ماذا حدث للملكة قبل وفاتها؟

أتاحت الأشعة المقطعية للباحثين دراسة المومياء بصورة أكثر تفصيلًا، وتقدير عمرها والحالة الصحية التي كانت عليها في نهاية حياتها.

وأظهرت الفحوص وجود عدد من المشكلات الصحية، من بينها مشكلات في الأسنان وتغيرات مرضية في العظام، بينما أشارت النتائج التي أُعلنت عقب الفحوص إلى وجود مؤشرات على أمراض خطيرة، من بينها سرطان العظام، إلى جانب احتمال الإصابة بالسكري والسمنة.

خراج الأسنان.. هل كان مفتاح النهاية؟

من بين الفرضيات التي طُرحت لتفسير وفاة حتشبسوت أن عدوى ناتجة عن خراج في أحد الأسنان ربما لعبت دورًا في تدهور حالتها الصحية.

وتزداد أهمية هذه الفرضية عند وضعها إلى جانب الأمراض الأخرى التي أظهرتها الفحوص، إذ يمكن أن تؤدي العدوى الشديدة إلى مضاعفات خطيرة، خاصة لدى شخص يعاني أصلًا من مشكلات صحية متعددة.

لكن هذه النقطة تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فالفحوص الأثرية تستطيع الكشف عن علامات المرض، لكنها لا تمنح دائمًا القدرة على تحديد السبب المباشر للوفاة بالدرجة نفسها التي يوفرها التشخيص الطبي لشخص حي.

السرطان حاضر في ملف الوفاة

أشارت النتائج المنشورة حول المومياء إلى وجود علامات مرتبطة بسرطان منتشر في العظام، وهو ما جعله أحد التفسيرات المحتملة لتدهور الحالة الصحية للملكة.

لكن وجود علامات مرضية لا يعني بالضرورة أنها كانت السبب الوحيد أو المباشر للوفاة؛ فالمومياء تحمل آثارًا لأكثر من مشكلة صحية، ولذلك ظل تفسير وفاة حتشبسوت قائمًا على مجموعة من القرائن وليس على نتيجة واحدة قاطعة.

هل كانت ضحية اغتيال؟

هنا تظهر واحدة من أكثر الروايات إثارة حول نهاية حتشبسوت.

فبعد وفاتها، تعرضت صورها وأسماؤها الملكية في عدد من المواقع إلى الإزالة والتشويه، الأمر الذي غذّى على مدار سنوات فكرة وجود صراع بينها وبين خليفتها تحتمس الثالث، وربط البعض ذلك باحتمال التخلص منها.

لكن الأدلة الطبية التي ظهرت مع دراسة المومياء لم تقدم دليلًا واضحًا على إصابة عنيفة تفسر الوفاة أو على اغتيالها. بل اتجهت التفسيرات التي أعلنها الباحثون إلى المرض والتدهور الصحي. كما أن إزالة آثار حتشبسوت حدثت، وفق الأدلة الأثرية، بعد فترة طويلة من وفاتها، وهو ما أضعف الرواية القديمة التي ربطت الأمر مباشرة بعملية انتقام شخصية.

لماذا يصعب الوصول إلى إجابة نهائية؟

رغم التطور الكبير في تقنيات دراسة المومياوات، فإن تحديد سبب وفاة شخص عاش قبل آلاف السنين يظل عملية معقدة.

فالباحثون يتعاملون مع جسد تعرض للتحنيط والتحلل الجزئي والظروف البيئية، ولا يملكون السجل الطبي الذي يمكن أن يوضح تطور المرض أو الأعراض التي عانت منها الملكة قبل وفاتها.

ولهذا، فإن القول بأن حتشبسوت ماتت بسبب مرض واحد بشكل قاطع يتجاوز ما تسمح به الأدلة المتاحة.

النهاية الأكثر ترجيحًا.. مرض لا مؤامرة

تجمع الأدلة المتاحة على أن حتشبسوت عانت في سنواتها الأخيرة من مشكلات صحية متعددة، وأن المرض هو التفسير الذي تدعمه نتائج فحص المومياء أكثر من فرضية الوفاة العنيفة.

وقد طُرحت بشكل خاص فرضية عدوى مرتبطة بخراج أسنان، مع مضاعفات مرتبطة بأمراض أخرى، بينها سرطان العظام وربما السكري. لكن تحديد العامل الذي كان السبب المباشر للوفاة يظل أقل يقينًا من تحديد هوية المومياء نفسها.

وهكذا، فإن واحدة من أشهر ملكات مصر القديمة لم تترك وراءها فقط معابد ومسلات ونقوشًا تحكي قصة حكمها، بل تركت أيضًا لغزًا طبيًا وأثريًا استمر آلاف السنين.

وفي النهاية، لم يكن أكثر ما أخفته مومياء حتشبسوت هو هويتها فقط، بل قصة الأيام الأخيرة لملكة حكمت مصر بقوة، ثم غابت مومياؤها قرونًا قبل أن تعود إلى الضوء وتفتح من جديد ملف موتها.

 

تم نسخ الرابط