رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

3 وجوه من سقارة تكشف سرًا من أسرار الخلود في مصر القديمة

قناع الكارتوناج
قناع الكارتوناج

 

لا يبدو قناع الكارتوناج للوهلة الأولى أكثر من وجه محفوظ بين جدران المتحف، لكنه في الحقيقة يحمل واحدة من أكثر الأفكار رسوخًا في العقيدة المصرية القديمة؛ رغبة الإنسان في أن يظل معروفًا حتى بعد الموت.

وضمن سلسلة «حكاية أثر بالمتحف المصري»، يسلط المتحف المصري بالقاهرة الضوء على مجموعة من الأقنعة الجنائزية المصنوعة من الكارتوناج، التي ارتبطت بطقوس الدفن ومعتقدات المصري القديم حول البعث واستمرار الحياة بعد الموت، لتتحول ملامح المتوفى إلى جزء من رحلة البحث عن الخلود.

لماذا صنع المصري القديم القناع؟

لم يكن القناع مجرد غطاء يوضع فوق وجه المومياء، وإنما ارتبط بوظيفة رمزية وعقائدية؛ إذ كان الهدف من تجسيد ملامح المتوفى الحفاظ على هويته والتعرف عليه في العالم الآخر.

ولهذا احتلت ملامح الوجه مكانة مهمة في الفن الجنائزي المصري، فالعينان والأنف والفم وتسريحة الشعر والعناصر الزخرفية لم تكن مجرد تفاصيل جمالية، وإنما جزء من الصورة التي أراد المصري القديم أن تستمر معه بعد الموت.

ومن هنا يصبح القناع أشبه بـ«هوية جنائزية» تحفظ صورة صاحبها، وتربط بين جسده الموجود في المقبرة والاعتقاد باستمرار وجوده في العالم الآخر.

من الكتان والبردي إلى وجه خالد

أما الكارتوناج نفسه فكان نتاج تقنية تعتمد على تشكيل طبقات من الكتان أو ورق البردي، ثم تثبيتها بمواد رابطة مثل الجص أو الراتنج، قبل تشكيلها وتجفيفها لتصبح سطحًا قابلًا للطلاء والزخرفة.

وبعد الانتهاء من تشكيل القناع، كان يُغطى بالألوان والزخارف، وفي بعض النماذج أضيفت عناصر ثمينة أو تفاصيل زخرفية دقيقة، لتمنح الوجه مظهرًا احتفاليًا يتناسب مع مكانته داخل الطقوس الجنائزية.

وهكذا تحولت مواد بسيطة نسبيًا إلى قطعة فنية تجمع بين الحرفة والتقنية والعقيدة.

حكاية بدأت قبل آلاف السنين

ترجع بوادر استخدام الكارتوناج إلى عصر الانتقال الأول، واستمر استعماله عبر فترات تاريخية متعاقبة وصولًا إلى العصر الروماني.

وخلال هذه الفترة تطورت أشكال الكارتوناج وتداخلت مع ظهور التوابيت الآدمية المجسمة، لتصبح هيئة المتوفى نفسها جزءًا من التصميم الجنائزي.

ويكشف هذا التطور عن قدرة الفن الجنائزي المصري على الاحتفاظ بجذوره القديمة، مع الاستجابة في الوقت نفسه للتغيرات الفنية والثقافية التي شهدتها مصر عبر العصور.

عندما يصبح القناع وثيقة تاريخية

وتتجاوز أهمية أقنعة الكارتوناج الجانب الفني؛ فبعض هذه القطع يمكن أن يقدم معلومات مهمة عن المواد والتقنيات والكتابات القديمة.

ومن المفاجآت المرتبطة بصناعة الكارتوناج أن الباحثين عثروا في بعض الحالات على إعادة استخدام لأجزاء من نصوص وبرديات ومواد كتابية داخل صناعة القناع أو في مكوناته.

وهنا يتحول القناع من قطعة جنائزية إلى وثيقة متعددة الطبقات؛ فسطحه يحكي عن صاحبه، ومواده تكشف عن تقنيات صناعته، بينما قد تخفي طبقاته الداخلية أجزاء من نصوص أو مواد كانت لها حياة سابقة.

3 أقنعة من سقارة

ويضم المتحف المصري بالقاهرة مجموعة من أقنعة الكارتوناج الجنائزية، من بينها ثلاثة أقنعة تعود إلى العصر الروماني، لرجل وسيدتين.

وكُشف عن هذه النماذج في منطقة سقارة الأثرية، وهي من أبرز المناطق التي ارتبطت بالمقابر والممارسات الجنائزية عبر عصور طويلة من التاريخ المصري.

وتقدم الأقنعة الثلاثة نموذجًا واضحًا لكيفية تصوير ملامح الأفراد خلال العصر الروماني، في وقت كانت فيه مصر تشهد تفاعلًا بين تقاليدها المحلية والتأثيرات الفنية التي جاءت مع العصرين اليوناني والروماني.

مصر القديمة.. حين تتغير الوجوه ولا تختفي الفكرة

تكشف أقنعة الكارتوناج عن جانب مهم من قدرة الحضارة المصرية على الحفاظ على جوهر معتقداتها مع تغير أشكال الفن.

فالوجه قد يتغير من عصر إلى آخر، والأسلوب الفني قد يتأثر بالثقافات المحيطة، لكن فكرة الحفاظ على هوية المتوفى واستمرار وجوده ظلت حاضرة في الفن الجنائزي.

ومن هذه الزاوية، يصبح القناع أكثر من صورة لشخص مات منذ آلاف السنين؛ إنه تعبير عن سؤال إنساني قديم جدًا: كيف يمكن للإنسان أن يترك وراءه صورة لا تختفي؟

وجوه تنتظر من يقرأها

اليوم، تقف هذه الأقنعة داخل المتحف المصري بالقاهرة بعد آلاف السنين من صناعتها، محتفظة بملامح أشخاص عاشوا في زمن مختلف تمامًا.

ورغم أن أصحابها رحلوا منذ قرون طويلة، فإن وجوههم لا تزال حاضرة، تحمل تفاصيل عن الفن والطقوس والهوية والمعتقدات والتقنيات التي عرفها المصريون.

ومن الملكي إلى الفردي، ومن الأقنعة المصنوعة من الذهب والخشب إلى الكارتوناج، تكشف مجموعة الأقنعة بالمتحف المصري أن كل وجه أثري ليس مجرد ملامح محفوظة، وإنما نافذة على قصة إنسان وحضارة وعقيدة.

فالقناع الذي صُنع يومًا ليحفظ هوية صاحبه في العالم الآخر، أصبح اليوم وسيلة للحفاظ على ذاكرة ذلك الإنسان في عالمنا نحن.

تم نسخ الرابط