اتفاقية 2016 تحمي التراث المصري.. كيف أصبحت أمريكا شريكًا في استرداد الآثار؟
لم تكن عودة عشرات القطع الأثرية المصرية من الولايات المتحدة مجرد عملية تسليم لقطع تاريخية خرجت من مصر بصورة غير مشروعة، وإنما جاءت في سياق تعاون قانوني ومؤسسي ممتد بين القاهرة وواشنطن في مجال حماية التراث الثقافي، يعود أحد أهم مراحله إلى اتفاقية وُقعت عام 2016.
ففي 30 نوفمبر 2016، وقعت مصر والولايات المتحدة مذكرة تفاهم بشأن فرض قيود على استيراد فئات من المواد الأثرية المصرية، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في اليوم نفسه، لتشكل إطارًا رسميًا للتعاون في مواجهة الاتجار غير المشروع بالآثار المصرية.
اتفاقية وضعت التراث المصري تحت حماية القانون الأمريكي،جاءت الاتفاقية في إطار القانون الأمريكي المنفذ لاتفاقية اليونسكو لعام 1970 الخاصة بمنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بصورة غير مشروعة.
وبموجب اتفاقية 2016، فرضت الولايات المتحدة قيودًا على استيراد فئات من المواد الأثرية التي تمثل جزءًا من التراث الثقافي المصري، وشملت في ذلك الوقت مواد أثرية تعود إلى الفترة الممتدة تقريبًا من 5200 قبل الميلاد حتى عام 1517 ميلادية.
ولم يكن الهدف من القيود منع التبادل الثقافي المشروع، وإنما تقليل الحافز أمام أعمال النهب والتنقيب غير القانوني وتهريب القطع الأثرية إلى السوق الدولية.
كيف تساعد الاتفاقية في استرداد الآثار؟
تمنح الاتفاقية أساسًا قانونيًا للتعامل مع بعض القطع الأثرية المصرية التي تظهر داخل الولايات المتحدة، خاصة عندما توجد أدلة على أنها خرجت من مصر بصورة غير قانونية.
وتصبح عملية الاسترداد نتاج تعاون بين أكثر من جهة، تشمل أجهزة إنفاذ القانون والخبراء المتخصصين والجهات الثقافية، بهدف تحديد مصدر القطعة والتحقق من وضعها القانوني ثم اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادتها إلى مصر.
وهذا النوع من التعاون ظهر بوضوح في عمليات استرداد سابقة، حيث عملت جهات أمريكية مع السلطات المصرية وشركاء دوليين للتحقيق في مسارات تهريب الآثار وإعادتها إلى موطنها.
من الاتفاقية إلى استرداد القطع المصرية
لم تتوقف الشراكة عند وضع القيود على الاستيراد، بل تطورت إلى تعاون مباشر في تحديد وضبط وإعادة الممتلكات الثقافية التي يشتبه في الاتجار بها بصورة غير مشروعة.
وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن مذكرة التفاهم تهدف إلى تسهيل التعاون المباشر بين أجهزة إنفاذ القانون والجهود الرامية إلى تحديد التراث الثقافي المصري المتاجر به بصورة غير مشروعة ومنعه وإعادته.
وبذلك أصبحت الاتفاقية واحدة من الأدوات التي تساعد على تحويل قضية استرداد الآثار من مطلب ثقافي إلى مسار قانوني تتشارك فيه المؤسسات المصرية والأمريكية.
الاتفاقية لم تكن نهاية التعاون
وفي عام 2021، وقعت مصر والولايات المتحدة مذكرة تفاهم جديدة لمدة خمس سنوات، لتحل محل اتفاقية 2016 وتوسع نطاق الحماية ليشمل فئات إضافية من الممتلكات الثقافية المصرية.
وأكدت الخارجية الأمريكية آنذاك أن الاتفاق الجديد يواصل حماية التراث الثقافي المصري ويعزز التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون في البلدين لمواجهة تهريب الآثار وإعادتها.كما أوضحت وزارة الخارجية الأمريكية أن نطاق الحماية توسع في المذكرة الجديدة ليشمل مواد أثرية مصرية تمتد زمنيًا إلى فترات أقدم، إلى جانب مواد إثنولوجية من فترات تاريخية لاحقة.
لماذا تمثل الشراكة أهمية لمصر؟
تكمن أهمية التعاون الأمريكي المصري في أن الولايات المتحدة تعد من أهم الأسواق العالمية التي يمكن أن تظهر فيها الممتلكات الثقافية المتداولة بصورة غير مشروعة، ولذلك فإن وجود إطار قانوني يسمح بتقييد استيراد فئات محددة من الآثار المصرية يمثل أداة مهمة لمواجهة السوق غير القانونية.
كما أن التعاون بين المؤسسات المصرية والأمريكية يرفع فرص التعرف على القطع المهربة عند ظهورها في الأسواق أو المجموعات الخاصة، ويتيح اتخاذ إجراءات قانونية بشأنها بدلًا من بقائها خارج موطنها الأصلي.
استرداد الآثار.. معركة تتجاوز حدود مصر
تكشف التجربة المصرية الأمريكية أن استرداد الآثار لم يعد ملفًا تتحمل مسؤوليته الدولة التي خرجت منها القطعة فقط، بل أصبح قضية دولية تتطلب تعاون الدول التي قد تصل إليها الآثار المهربة.
ومن هنا تبرز أهمية الاتفاقيات الثنائية، لأنها تضع قواعد واضحة للتعامل مع الممتلكات الثقافية، وتوفر أدوات قانونية تساعد على الحد من الاتجار غير المشروع، إلى جانب تشجيع التعاون الثقافي والعلمي المشروع.
شراكة تحمي ذاكرة مصر
وبعد سنوات من توقيع اتفاقية 2016، أصبحت الشراكة المصرية الأمريكية في مجال حماية التراث نموذجًا على كيفية تحويل التعاون الدولي إلى إجراءات عملية لحماية الآثار.
فكل قطعة تعود إلى مصر لا تمثل مجرد مقتنى أثري، وإنما جزءًا من الذاكرة التاريخية للبلاد، واستعادتها تؤكد أن مواجهة تهريب الآثار تبدأ من حماية المواقع والمجموعات الأثرية، وتمتد إلى ملاحقة القطع التي خرجت بصورة غير مشروعة في الأسواق الدولية، وصولًا إلى إعادتها إلى وطنها.





