«التنوع» كلمة السر في التشكيل الجديد.. تخصصات مختلفة لصناعة القرار الأثري
لم يعد الحفاظ على التراث الأثري ملفًا يمكن التعامل معه من زاوية واحدة، فالموقع الأثري يحتاج إلى عالم آثار، والمبنى التاريخي قد يحتاج إلى متخصص في الترميم والتخطيط، بينما تتطلب المشروعات الكبرى رؤية تجمع بين الجانب العلمي والإداري والهندسي والثقافي، وهو ما يبرز بوضوح في التشكيل الجديد للجنتين الدائمتين للآثار المصرية واليونانية والرومانية، والآثار الإسلامية والقبطية واليهودية.
وجاءت قرارات شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، بإعادة تشكيل اللجنتين لتؤكد توجه الوزارة نحو الاستفادة من مجموعة متنوعة من الخبرات والكفاءات من داخل الوزارة والهيئات التابعة لها وخارجها، بما يضيف إلى النقاشات الأثرية زوايا متعددة ويمنح عملية اتخاذ القرار مساحة أوسع من التخصص والتكامل.
يضم التشكيل الجديد رؤساء القطاعات المعنية بالمجلس الأعلى للآثار
وعددًا من رؤساء الإدارات المركزية والعامة، إلى جانب ممثلين عن المتحف المصري الكبير والمتحف القومي للحضارة المصرية وصندوق دعم السياحة والآثار، فضلًا عن متخصصين في الآثار والتخصصات ذات الصلة وأعضاء هيئة تدريس من الجامعات الحكومية وخبراء في مجال التخطيط العمراني.
وهنا يظهر مفهوم «التنوع» باعتباره أحد أبرز ملامح التشكيل الجديد، فوجود متخصصين من خلفيات مختلفة يمكن أن يثري المناقشات عند التعامل مع الملفات التي لا تتوقف حدودها عند الجانب الأثري فقط، وإنما تمتد إلى قضايا الترميم والحفاظ والتخطيط وإدارة المواقع والمتاحف والمشروعات المرتبطة بالتراث.
كما أن مشاركة الجامعات الحكومية تضيف بعدًا أكاديميًا إلى أعمال اللجان، من خلال الاستفادة من الخبرات البحثية والدراسات المتخصصة، وهو ما يمكن أن يساعد في تقديم رؤى علمية عند مناقشة القضايا التي تحتاج إلى تحليل دقيق أو حلول تستند إلى المعرفة الأكاديمية والتجارب العلمية.
وفي المقابل، يمثل حضور القيادات التنفيذية داخل المجلس الأعلى للآثار عنصرًا مهمًا في ربط الرؤية العلمية بمتطلبات التنفيذ، بحيث لا تبقى التوصيات والقرارات في إطار الدراسات، وإنما يمكن أن تجد طريقها إلى التطبيق من خلال القطاعات والإدارات المعنية.
مساحة إضافية للتكامل بين المؤسسات المعنية بالتراث
أما مشاركة ممثلين عن المتحف المصري الكبير والمتحف القومي للحضارة المصرية، فتمنح التشكيل مساحة إضافية للتكامل بين المؤسسات المعنية بالتراث، خصوصًا مع اتساع أدوار المتاحف الحديثة في مجالات العرض والتوثيق والحفظ والتوعية وإدارة المجموعات والمقتنيات.
ويأتي وجود خبراء التخطيط العمراني ليضيف بُعدًا آخر إلى المعادلة، خاصة في الملفات التي تتقاطع فيها حماية المناطق الأثرية مع النسيج العمراني المحيط بها، وهو مجال يحتاج بطبيعته إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على القيمة التاريخية للمكان ومتطلبات التطوير والتنمية.
وتشير هذه التركيبة إلى أن التوجه لا يقوم فقط على زيادة عدد الخبرات المشاركة، وإنما على الجمع بين تخصصات يمكن أن تتكامل عند دراسة الملف الواحد، بحيث يصبح القرار الأثري نتاجًا لحوار بين أكثر من مدرسة وخبرة، بدلًا من اعتماده على رؤية منفردة.
وفي ظل ما تشهده منظومة الآثار من مشروعات للتطوير والترميم وإعادة تأهيل المواقع والمتاحف، تصبح القدرة على جمع الخبرات المختلفة داخل إطار واحد عنصرًا مهمًا في رفع جودة القرارات، خاصة عندما تتطلب الملفات حلولًا تتجاوز حدود تخصص بعينه.
ويبقى نجاح التجربة مرهونًا بمدى قدرة هذه التخصصات على العمل بصورة متكاملة، وتحويل اختلاف الرؤى إلى قيمة مضافة، وصولًا إلى قرارات تحقق المعادلة الأصعب في العمل الأثري: حماية التراث والحفاظ على أصالته، مع مواصلة التطوير بما يتناسب مع احتياجات الدولة والمجتمع.





