بعد 100سنة في المتحف..ماذا حدث للوحة رمسيس الثاني وأشعل الجدل حول ترميمها؟
أنهى فريق الترميم أعمال صيانة وترميم لوحة للملك رمسيس الثاني مصنوعة من البازلت الأسود بعد أكثر من قرن على عرضها داخل المتحف المصري بالتحرير، ضمن أعمال الصيانة الدورية التي تستهدف الحفاظ على مقتنيات المتحف وإعادة تقديمها للجمهور بصورة تتناسب مع أحدث أساليب العرض المتحفي.
اللوحة، التي تعود إلى عصر الدولة الحديثة، يبلغ طولها نحو 240 سم وعرضها 110 سم، وكانت قد عُثر عليها في الماضي مكونة من جزأين منفصلين، قبل أن تخضع لأعمال تجميع وترميم سابقة.
لوحة رمسيس الثاني تدخل مرحلة جديدة
لم تقتصر الأعمال الأخيرة على معالجة حالة اللوحة، وإنما جاءت في إطار مشروع أوسع لتطوير سيناريو العرض داخل المتحف المصري بالتحرير، وإعادة ترتيب القطع الأثرية وفق سياقها التاريخي والحضاري والديني.
وفي إطار إعادة تأهيل اللوحة بما يتناسب مع السيناريو الجديد، جرى نقلها إلى موقعها الحالي بين لوحتين أخريين للملك رمسيس الثاني، بما يتيح وضعها داخل سياق بصري وتاريخي أكثر ارتباطًا بالقطع المحيطة بها.
كما أزيلت مواد الترميم القديمة واللوح الخشبي الذي كان موضوعًا حول اللوحة خلال أعمال الترميم السابقة، إلى جانب معالجة الفواصل بين أجزائها، وعرضها بصورة حرة بدلًا من الشكل السابق.
ولم يتوقف تطوير طريقة العرض عند هذا الحد، إذ تم توفير إضاءة بانورامية مناسبة تساعد على إبراز تفاصيل اللوحة وإظهار خصائص البازلت الأسود بصورة أوضح أمام الزائرين.
من جزأين إلى قطعة معروضة من جديد

وتحمل اللوحة نفسها قصة ترميمية تعود إلى سنوات سابقة، إذ كانت قد عُثر عليها في جزأين منفصلين، وهو ما استدعى تنفيذ أعمال تجميع وترميم لها قبل عرضها بالمتحف.
ومع مرور الوقت، أصبحت الحاجة قائمة إلى إعادة تقييم حالتها وطريقة عرضها، خاصة مع مشروع تطوير سيناريو العرض المتحفي وإعادة تنظيم المقتنيات داخل قاعات المتحف.
ومن هنا جاءت أعمال الترميم الجديدة لتجمع بين الحفاظ على الأثر وإعادة تقديمه، بحيث لا يكون الهدف مجرد معالجة التلف، وإنما أيضًا تحسين طريقة عرضه بما يتيح للزائر رؤية تفاصيله بصورة أفضل.
حقيقة استخدام الأسمنت
وتزامنت أعمال الترميم مع تداول صور للوحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، صاحبتها تعليقات تتحدث عن استخدام الأسمنت في أعمال ترميمها.
لكن وزارة السياحة والآثار نفت هذه المعلومات بشكل قاطع، مؤكدة أن الأسمنت لم يُستخدم في أي مرحلة من مراحل ترميم اللوحة.
وأوضح مسؤولو المتحف أن أعمال الترميم نُفذت بواسطة أخصائيي الترميم بالمجلس الأعلى للآثار، وفق بروتوكولات علمية ومعايير فنية معتمدة.
كما أوضحت الوزارة أن الصور التي تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي التُقطت أثناء تنفيذ أعمال الترميم، أي قبل الانتهاء منها، وبالتالي فهي لا تعكس الشكل النهائي الذي أصبحت عليه اللوحة عقب إتمام أعمال الصيانة.
الترميم لا يعني مجرد إصلاح التلف
وتكشف هذه الواقعة جانبًا مهمًا من طبيعة العمل داخل المتاحف، فترميم القطع الأثرية لا يرتبط فقط بإصلاح الأجزاء المتضررة، وإنما يشمل أحيانًا إعادة التفكير في طريقة عرض القطعة وموقعها والإضاءة المحيطة بها.
فالقطعة الأثرية قد تكون محفوظة من الناحية المادية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى بيئة عرض مناسبة تحميها وتبرز تفاصيلها وتضعها في سياق يساعد الزائر على فهم قيمتها.
وهذا ما تسعى إليه أعمال تطوير سيناريو العرض بالمتحف المصري، من خلال إعادة ترتيب المقتنيات وفق سياقات تاريخية وحضارية ودينية أكثر وضوحًا.
رمسيس الثاني بين لوحاته
وضع اللوحة الجديدة بين لوحتين للملك رمسيس الثاني يضيف أيضًا بعدًا بصريًا للعرض، حيث تصبح القطع الثلاث جزءًا من مشهد واحد بدلًا من التعامل مع كل لوحة باعتبارها قطعة منفصلة.
وهذه الطريقة تساعد على تقديم المقتنيات داخل سياقها، وتمنح الزائر فرصة أكبر لمقارنة القطع والتعرف على ملامح الفن والنقوش المرتبطة بعصر الملك رمسيس الثاني.
كما أن الإضاءة الجديدة تساعد على إظهار تفاصيل سطح البازلت الأسود، وهي تفاصيل قد لا تكون واضحة بالقدر نفسه في ظل ظروف الإضاءة التقليدية.
أكثر من قرن داخل المتحف

وجود اللوحة بالمتحف المصري لأكثر من مائة عام يجعل أعمال ترميمها جزءًا من تاريخ القطعة نفسها.
فخلال هذه الفترة الطويلة، مرت اللوحة بمراحل مختلفة من العرض والحفظ والترميم، قبل أن تدخل الآن مرحلة جديدة ضمن خطة تطوير المتحف.
وبذلك لا تمثل عملية الترميم مجرد إجراء دوري، وإنما فرصة لإعادة النظر في كيفية الحفاظ على قطعة تاريخية ظلت أمام أجيال متعاقبة من الزائرين.
وفي النهاية، تعكس عودة لوحة رمسيس الثاني إلى العرض بعد انتهاء أعمال ترميمها استمرار العمل على صيانة مقتنيات المتحف المصري بالتحرير، مع محاولة تحقيق معادلة تجمع بين الحفاظ على الأثر، ومعالجة ما يحتاج إليه، وتقديمه للجمهور في صورة تتناسب مع قيمته التاريخية والفنية.
وبعد أكثر من مائة عام من وجودها داخل المتحف، تبدأ اللوحة فصلًا جديدًا من رحلتها، هذه المرة في موقع عرض جديد، وإضاءة مختلفة، وضمن سياق متحفي يعيد تقديمها للزائرين بصورة أكثر وضوحًا.