رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

رحلة الشمس بين السماء والليل..ماذا تحكي زخارف تابوت تا شب إن خنسو؟

تابوت تا شب إن خنسو
تابوت تا شب إن خنسو – ديوشا

في أحد أجنحة المتحف اللوفر بباريس، يحتفظ تابوت مصري قديم بتفاصيل تكشف جانبًا من تصور المصري القديم للرحلة اليومية للشمس، وعلاقته بالحياة والموت والبعث. ويُنسب التابوت إلى السيدة «تا شب إن خنسو – ديوشا»، التي حملت لقب عازفة السيستروم للإله آمون رع، ويرجع إلى بدايات الأسرة الخامسة والعشرين. وتوثق سجلات اللوفر أن التابوت عُثر عليه في منطقة الدير البحري، وأن زخارفه تتضمن موضوع «رحلة الشمس» وتصوير الإلهة نوت.

نوت.. السماء التي تحتضن الشمس

https://images.openai.com/static-rsc-4/QYCcXOdiK1mL9OOs9yaZBuHbxnTa3TWBEQpjf476Knlr5JMeh3Pd9VS6lSfb7frG7L-oxLxL-uuTtz7XrWIhVwESkyggs5n22947uAjWKnrJy1bS2rymsXN8_T_vTfQV7vxvKEvpyXFPVzPxSvdO8O5VlBXBsmZOiVms9Zxdr8JklboZdJorTVNuQvMGo6vi?purpose=fullsize

في قلب المشهد تظهر ربة السماء «نوت» في هيئة منحنية، لتجسد السماء التي يعبر خلالها قرص الشمس في رحلته اليومية.

وكانت نوت من أهم الآلهة المرتبطة بالسماء في العقيدة المصرية القديمة، وارتبط تصويرها على التوابيت بفكرة الحماية والعبور إلى العالم الآخر.

وتشير زخارف التوابيت المصرية إلى أن الصور والنصوص لم تكن مجرد عناصر للزينة، وإنما كانت تحمل وظيفة دينية ورمزية، تساعد المتوفى في رحلته نحو العالم الآخر.

مركب رع.. الشمس في رحلتها النهارية

وفوق مشهد نوت يظهر مركب الشمس، في إشارة إلى رحلة الإله رع خلال السماء.

وكان المصري القديم يتصور الشمس وهي تعبر السماء خلال النهار، قبل أن تبدأ رحلتها الليلية في العالم السفلي، لتعود وتشرق من جديد في دورة لا تنتهي.

وهذه الفكرة جعلت رحلة الشمس واحدة من أهم الرموز المرتبطة بالتجدد والبعث، ولذلك ظهرت مشاهدها في عدد كبير من السياقات الجنائزية.

من ضوء النهار إلى عالم الليل

أما الجزء السفلي من المشهد فيأخذنا إلى الجانب الآخر من الرحلة، حيث يظهر المركب المرتبط بالليل، وفيه الإله «أتوم».

وهنا تصبح الزخارف أشبه بقصة مصورة عن دورة الشمس؛ ظهورها في السماء، ثم غروبها ودخولها عالم الليل، قبل أن تستعيد قوتها وتبدأ دورة جديدة.

وتحمل هذه الرحلة معنى يتجاوز حركة الشمس نفسها، إذ ارتبطت في الفكر المصري القديم بدورة الحياة والموت والبعث.

المتوفاة على متن المركب

ومن التفاصيل اللافتة في المشهد ظهور المتوفاة في مقدمة المركب وهي تمسك بالمجداف، في تصوير يربط صاحبة التابوت بالرحلة الإلهية.

وتمنح هذه الصورة المتوفاة دورًا داخل المشهد الجنائزي، وكأنها تشارك في الرحلة عبر العالم الآخر، في إطار التصورات المصرية القديمة عن استمرار الحياة بعد الموت.

وتشير الدراسات المتعلقة بـ«تا شب إن خنسو» إلى أنها كانت سيدة من عائلة كهنوتية، وحملت لقب عازفة السيستروم لآمون رع، كما ارتبطت بعائلات كهنة مونتو. كما يرجع غطاء تابوت داخلي آخر يحمل اسمها إلى أواخر الأسرة الخامسة والعشرين.

تابوت يحكي عقيدة كاملة

https://images.openai.com/static-rsc-4/QYCcXOdiK1mL9OOs9yaZBuHbxnTa3TWBEQpjf476Knlr5JMeh3Pd9VS6lSfb7frG7L-oxLxL-uuTtz7XrWIhVwESkyggs5n22947uAjWKnrJy1bS2rymsXN8_T_vTfQV7vxvKEvpyXFPVzPxSvdO8O5VlBXBsmZOiVms9Zxdr8JklboZdJorTVNuQvMGo6vi?purpose=fullsize

وتكشف زخارف تابوت «تا شب إن خنسو» عن الطريقة التي استخدم بها المصري القديم التابوت باعتباره وسيلة لحماية المتوفى وتزويده بالرموز والنصوص اللازمة لرحلته الأبدية.

فمن نوت التي تجسد السماء، إلى مركب رع في رحلته النهارية، ثم مركب الليل وأتوم، وصولًا إلى حضور المتوفاة داخل المشهد، تتجمع العناصر لتكوين تصور متكامل عن دورة الشمس والعبور والتجدد.

وهكذا لا يقدم لنا التابوت مجرد صورة لامرأة عاشت في مصر قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام، وإنما يفتح نافذة على عالم من الأفكار والمعتقدات التي آمن بها المصري القديم، وجعل منها جزءًا من رحلته الأخيرة.

وبينما يقف التابوت اليوم داخل المتحف اللوفر في باريس، تظل تفاصيله شاهدة على قدرة الفنان المصري القديم على تحويل العقيدة إلى صورة، وتحويل رحلة الشمس اليومية إلى حكاية عن الموت والحياة والبعث والاستمرار.

تم نسخ الرابط