ليست البداية فاطمية.. حقائق تاريخية مثيرة تكشف سر بناء مشاهد آل البيت في مصر
يسود بين كثير من الناس اعتقاد بأن الفاطميين هم أول من أدخل تقليد الاهتمام بمساجد ومشاهد آل بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى مصر، غير أن العودة إلى أمهات المصادر التاريخية المبكرة تكشف زيف هذا التصور الشائع، وتثبت أن عاطفة المصريين تجاه آل البيت وبناء مشاهد عمارتهما سبقت دخول الفاطميين لفسطاط مصر بقرون طويلة.
من جانبه، أوضح عمر محمد الشريف، الباحث في التاريخ، أن المصادر التاريخية المتقدمة لشهود عيان ومؤرخين عاصروا تلك المراحل، مثل ابن عبد الحكم والكندي وابن زولاق، تؤكد أن المشاهد لم تكن من عمارة الفاطميين الأولى، بل كانت قائمة ونشطة قبل دخول المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر سنة 362هـ.
شهادة ابن زولاق التاريخية على مشهد السيدة نفيسة
يعتبر المؤرخ ابن زولاق (306-387هـ) من أهم شهود العيان على تلك الحقبة، حيث عاصر العصر الإخشيدي وبدايات العصر الفاطمي، ونشأ في بيئة علمية مرموقة بالفسطاط، وقد وثق في مؤلفاته حقائق حاسمة:
- مشهد السيدة نفيسة (رضي الله عنها): يذكر ابن زولاق أنه عند وفاتها بمصر، أراد زوجها حمل جثمانها إلى المدينة المنورة، لكن أهل مصر توسلوا إليه لتدفن بينهم، ويضيف بوضوح: "فاتخذ أهل مصر قبرها مشهدا، وهو باق إلى اليوم معروفا".
- الدلالة التاريخية: يثبت هذا النص أن المصريين هم من أسسوا المشهد وعظموه بمبادرة منهم قبل قدوم الفاطميين بعقود، وظل مزارا معروفا في عصر ابن زولاق.
مساجد ومشاهد لآل البيت والصحابة بنيت في العصور الأولى
يسرد الباحث عمر محمد الشريف شواهد أخرى تؤكد أن ظاهرة التبرك ببناء المشاهد شملت آل البيت والصحابة منذ العصرين الأموي والعباسي:
رأس محمد بن أبي بكر الصديق (قتل سنة 38هـ): أقيم على موضع دفن رأسه الشريف مسجد الزمام الذي بناه غلامه "زمام" وجعل الرأس في موضع المنارة، وقد وثق المؤرخ عبد الرحمن بن عبد الحكم (توفي سنة 257هـ) وجود هذا المسجد في كتابه "فتوح مصر والمغرب" قبل قيام الدولة الفاطمية بأكثر من قرن، مما يرجع تاريخ التأسيس إلى العصر الأموي.
رأس زيد بن علي زين العابدين (قتل سنة 122هـ): أرسل الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك رأسه إلى مصر فنصبت بالجامع، لكن أهل مصر سرقوها سرا ودفنوها وبنوا عليها "مسجد محرس الخص"، وعندما اندثر المسجد في القرن السادس الهجري، قام الوزير الفاطمي الأفضل بن أمير الجيوش بالكشف عن الموقع وإعادة إعمار المشهد سنة 525هـ، مما يوضح أن الدور الفاطمي هنا كان إعادة إعمار لموضع مقدس قائم بالفعل وليس إنشائه من العدم.
رأس إبراهيم بن عبد الله بن الحسن (دفن سنة 145هـ): أرسل الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور رأسه إلى مصر، فأخذها المصريون ودفنوها وأقاموا عليها مشهدا عرف بـ "مسجد تبر" (الشهير شعبيا بمسجد التبن)، والمثير تاريخيا أن الأمير تبر الإخشيدي (أحد كبار قادة الدولة الإخشيدية الذين حاربوا الفاطميين لمنع دخولهم مصر) هو من قام بتجديد هذا المسجد بالكامل، مما يقطع بوجوده وإعماره قبل الحقبة الفاطمية.
مساجد الصحابة وتجذر الهوية الروحية للمصريين
ينقل الشريف عن ابن زولاق رصدا آخر لعمق الهوية الإسلامية والروحية لمصر، حيث أشار إلى وجود ما يقارب 233 مسجدا للصحابة بنيت بالآجر الأحمر عند اختطاط مدينة الفسطاط في العصور الأولى، وظل أغلبها قائما ومستخدما إلى القرن الرابع الهجري.
وتأسيسا على هذه السلسلة من الأدلة والمخطوطات، يتضح أن دور الدولة الفاطمية لم يكن ابتكار فكرة مشاهد آل البيت في مصر، بل انصب على توسيع هذه المشاهد، وإعادة إعمار ما اندثر منها، وإضفاء طابعهم المعماري المميز عليها، بينما يظل أصل العمارة والتعلق الروحي بآل البيت والصحابة ثقافة مصرية أصيلة ولدت مع خروج الفسطاط إلى النور.





