رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

حجر رشيد القطعة التي تكشف الحضارة المصرية القديمة، تعرف علي أسراره

حجر رشيد
حجر رشيد

كان المصريون القدماء يكتبون تاريخهم على جدران المعابد، ويسجلون انتصاراتهم على المسلات، ويخلدون عقائدهم على جدران المقابر، لكن مع مرور الزمن أصبحت تلك النقوش لغة صامتة لا يفهمها أحد. 

لأكثر من أربعة عشر قرنًا، وقف العلماء أمام آلاف الكتابات الهيروغليفية عاجزين عن قراءة حرف واحد منها، حتى ظهرت قطعة حجرية لم يكن أحد يتخيل أنها ستغير مجرى التاريخ، وستفتح بابًا ظل مغلقًا لقرون طويلة. إنها حجر رشيد، القطعة التي لم تكشف أسرار نفسها فقط، بل أعادت للعالم القدرة على قراءة حضارة كاملة.

حجر أسود منقوش بثلاثة نصوص مختلفة

بدأت الحكاية في عام 1799، عندما كانت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت تعزز تحصيناتها بالقرب من مدينة رشيد على ساحل البحر المتوسط. وبينما كان الجنود يحفرون في أحد الحصون، عثروا على حجر أسود منقوش بثلاثة نصوص مختلفة.

 في البداية لم يدرك أحد قيمة هذا الاكتشاف، لكن سرعان ما أدرك العلماء المرافقون للحملة أنهم يقفون أمام قطعة استثنائية قد تغير فهم العالم للتاريخ.

كان الحجر يحمل نصًا واحدًا كُتب بثلاثة خطوط؛ الهيروغليفية، لغة الملوك والمعابد، والديموطيقية، لغة الحياة اليومية في مصر القديمة، واليونانية القديمة، التي كانت معروفة للعلماء في ذلك الوقت. وهنا بدأت رحلة علمية استمرت أكثر من عشرين عامًا، تنافس خلالها كبار الباحثين لفك الشفرة التي حيّرت العالم لقرون.

وبعد سنوات من المحاولات، نجح العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون عام 1822 في تحقيق الإنجاز الذي عجز عنه غيره، بعدما اكتشف أن الرموز الهيروغليفية ليست مجرد أشكال ورسومات، بل تمثل أصواتًا أيضًا، وأنها لغة متكاملة يمكن قراءتها وفهمها. 

كانت تلك اللحظة بمثابة ميلاد جديد لعلم المصريات، إذ أصبحت جدران المعابد والبرديات والمقابر تتحدث من جديد بعد صمت دام أكثر من ألف عام.

المعابد تحولت إلى كتب مفتوحة تحكي تفاصيل حياة الفراعنة

وفجأة، لم تعد المعابد المصرية مجرد مبانٍ ضخمة تزينها الرسوم، بل تحولت إلى كتب مفتوحة تحكي تفاصيل حياة الفراعنة، وتروي قصص الحروب والانتصارات، وتسجل أسماء الملوك، وتكشف أسرار الديانة والطب والفلك والإدارة والحياة اليومية في مصر القديمة.

واللافت أن النص المكتوب على حجر رشيد نفسه لم يكن يتحدث عن كنز أو معركة عظيمة، بل كان مرسومًا صدر عام 196 قبل الميلاد في عهد الملك بطليموس الخامس، يعلن مجموعة من الامتيازات والتكريمات التي منحها الكهنة للملك. لكن قيمة الحجر لم تكن في مضمون النص، وإنما في كتابته بثلاث لغات مختلفة، وهو ما منح العلماء مفتاح المقارنة الذي احتاجوه لفهم الهيروغليفية.

ويبلغ ارتفاع الحجر نحو 114 سنتيمترًا، ويزن أكثر من 760 كيلوجرامًا، وصُنع من حجر الجرانوديوريت الأسود، ورغم أن أجزاءً منه تعرضت للكسر عبر الزمن، فإن ما بقي منه كان كافيًا ليصبح أهم قطعة أثرية في تاريخ علم اللغات القديمة.

وبعد هزيمة الحملة الفرنسية، انتقل حجر رشيد إلى بريطانيا بموجب اتفاقية الإسكندرية عام 1801، ومنذ عام 1802 وهو معروض داخل المتحف البريطاني في لندن، حيث يُعد من أكثر القطع جذبًا للزائرين. 

رمزًا عالميًا لاكتشاف المعرفة وفك الألغاز

وفي المقابل، تتواصل المطالبات المصرية باستعادته، باعتباره أحد أهم رموز التراث الحضاري المصري، والقطعة التي ارتبط اسمها بتاريخ مصر أكثر من أي مكان آخر.

ولا يزال حجر رشيد حتى اليوم يمثل رمزًا عالميًا لاكتشاف المعرفة وفك الألغاز، حتى إن اسمه أصبح يُستخدم في مجالات متعددة لوصف أي مفتاح يقود إلى فهم لغة أو نظام معقد، في إشارة إلى تأثيره الذي تجاوز حدود علم الآثار.

وبعد أكثر من مائتي عام على اكتشافه، لم يفقد حجر رشيد بريقه أو مكانته، لأنه لم يكن مجرد قطعة أثرية عُثر عليها بالصدفة، بل كان الجسر الذي عبر منه العلماء إلى قلب الحضارة المصرية القديمة، والمفتاح الذي أعاد صوت الفراعنة إلى العالم، لتخرج أسرار آلاف النقوش من صمتها، وتروي بنفسها قصة واحدة من أعظم حضارات الإنسانية

تم نسخ الرابط