رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

تماثيل ممنون، لماذا ارتبطا قديما بصوت غامض عند الفجر في الأقصر؟

تماثيل ممنون العملاقة
تماثيل ممنون العملاقة

تقف تماثيل ممنون على الضفة الغربية في الأقصر بوصفها واحدة من أشهر الشواهد الأثرية المفتوحة في مصر القديمة، ليس فقط بسبب ضخامتها وموقعها التاريخي، بل أيضًا بسبب الحكاية الغامضة التي ارتبطت بها في عصور سابقة، حين تحدثت روايات قديمة عن صدور صوت غامض عند الفجر من أحد التمثالين، ما منح المكان شهرة واسعة ونسج حوله طبقة إضافية من الدهشة والأسئلة.

تمثالان يحرسان ذاكرة طيبة القديمة

ترجع تماثيل ممنون إلى عهد الملك أمنحتب الثالث، وكانت في الأصل جزءًا من المدخل الجنائزي لمعبده الضخم في طيبة الغربية، قبل أن يبقى التمثالان من بين أبرز ما صمد من هذا الصرح الكبير.
 

ويقف التمثالان في العراء منذ قرون طويلة، شاهديْن على تعاقب حضارات ورحلات ومسافرين، لكن ما جعل اسمهما يتجاوز كونهما مجرد أثر ضخم، هو تلك الروايات التي تحدثت عن “صوت” كان يسمعه بعض الزوار مع شروق الشمس.

من أين جاءت حكاية الصوت؟

في العصور اليونانية والرومانية، ارتبط أحد التمثالين تحديدًا بفكرة “الصوت العجيب”، إذ نقل بعض الرحالة والمؤرخين أن التمثال كان يُصدر نغمة أو رنينًا خفيفًا عند الفجر، خاصة بعد تعرضه لضرر كبير بفعل زلزال قديم.
 

هذا الأمر دفع البعض في ذلك الوقت إلى ربط الصوت بأساطير دينية أو رمزية، حتى أطلق الإغريق على التمثالين اسم “ممنون”، في إشارة إلى البطل الأسطوري الذي ارتبط في الميثولوجيا اليونانية بالشمس والفجر. وهكذا تحوّل الأثر المصري إلى جزء من حكاية أوسع امتزج فيها التاريخ بالأسطورة.

تفسير الظاهرة بين الطبيعة والأسطورة

مع مرور الزمن، حاول الباحثون تفسير سبب هذا الصوت بعيدًا عن الروايات الأسطورية. ومن بين التفسيرات التي طُرحت أن التشققات التي أصابت التمثال بعد الزلزال، إلى جانب اختلاف درجات الحرارة والرطوبة في وقت الفجر، ربما كانت تؤدي إلى صدور ذبذبات أو أصوات خفيفة من الحجر.
 

ورغم أن هذه التفسيرات بدت أكثر منطقية، فإنها لم تُنهِ تمامًا سحر الحكاية، بل أبقت تماثيل ممنون ضمن قائمة الآثار التي ارتبطت بظواهر لافتة جعلتها تتجاوز قيمتها المعمارية وحدها.

لماذا اختفى الصوت لاحقا؟

تشير الروايات التاريخية إلى أن ظاهرة الصوت توقفت بعد أعمال ترميم أُجريت للتمثال في العصر الروماني، وهو ما عزز الفكرة القائلة إن الصوت كان مرتبطًا بحالة التمثال نفسه بعد التصدع، وليس بظاهرة خارقة كما اعتقد البعض قديمًا.
 

لكن حتى بعد اختفاء هذه الظاهرة، بقيت القصة حاضرة في الذاكرة التاريخية، وأصبحت جزءًا من الجاذبية الخاصة بالمكان، حيث لا يزور الناس التمثالين بوصفهما أثرين ضخمين فقط، بل أيضًا بوصفهما شاهدين على حكاية قديمة حيّرت من مروا بهما.

أكثر من مجرد تمثالين

تكشف قصة تماثيل ممنون كيف يمكن لتفصيلة واحدة غير معتادة أن تمنح الأثر حضورًا مختلفًا عبر الزمن. فهنا لا تتوقف الحكاية عند اسم الملك أو تاريخ البناء، بل تمتد إلى الطريقة التي تلقّت بها الحضارات اللاحقة هذا الأثر، وكيف أعادت تفسيره وربطه بعالمها الرمزي والأسطوري.
 

ومن هنا، تصبح تماثيل ممنون مثالًا واضحًا على أن بعض المواقع الأثرية لا تُقرأ فقط من خلال ما بُنيت لأجله، بل أيضًا من خلال الحكايات التي نسجها الناس حولها لاحقًا.

أثر يربط بين التاريخ والدهشة

في قلب الأقصر، تظل تماثيل ممنون واحدة من المحطات التي تذكّر بأن الآثار ليست مجرد أحجار صامتة، بل مساحات مفتوحة للأسئلة والحكايات والتأويلات. وبين تاريخها المرتبط بأمنحتب الثالث، والأسطورة التي جعلتها “تغني” عند الفجر، تبقى هذه التماثيل مثالًا على كيف يصنع الغموض شهرة إضافية للأثر، ويمنحه حياة أخرى في الذاكرة، حتى بعد أن يصمت الحجر من جديد.

تم نسخ الرابط