رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

تمثالا ممنون.. العملاقان اللذان ظلا يحَرسان طيبة لأكثر من 3 آلاف عام

Go Egypia

 

على الضفة الغربية لنهر النيل في الأقصر، يقف عملاقان من الحجر في مواجهة الزمن، يبدوان اليوم وكأنهما حارسان صامدان لمدينة اختفت أجزاء كبيرة من معالمها، لكنهما بقيا شاهدين على واحدة من أعظم فترات الدولة الحديثة في مصر القديمة.

إنهما تمثالا ممنون، الاسم الذي ارتبط بهما لقرون، رغم أن التمثالين في الأصل لا يمثلان «ممنون» الأسطوري، وإنما يصوران الملك أمنحتب الثالث، أحد أبرز ملوك الأسرة الثامنة عشرة.

أمنحتب الثالث.. صاحب العملاقين

كان التمثالان جزءًا من المجمع الجنائزي الضخم الذي أقامه أمنحتب الثالث في طيبة الغربية، وكانا ينتصبان أمام مدخل المعبد الذي شيده الملك لنفسه.

وتؤكد بيانات المتحف المتروبوليتان أن تمثالي ممنون يمثلان الملك جالسًا، وكانا قائمين أمام مدخل المعبد الجنائزي لأمنحتب الثالث في غرب طيبة. ويعطي وجودهما اليوم تصورًا عن ضخامة المنشأة التي كانت خلفهما، رغم أن معظم المعبد لم يبقَ على حاله.

ولم يكن المعبد مجرد مبنى جنائزي صغير، بل كان واحدًا من المشروعات المعمارية الكبرى التي ارتبطت بعهد أمنحتب الثالث، الملك الذي شهد عصره ازدهارًا كبيرًا في الفن والعمارة.

لماذا أصبح اسمهما «تمثالي ممنون»؟

هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.

فالاسم الذي يعرف به التمثالان اليوم جاء من العالم اليوناني والروماني، عندما ربط المسافرون التمثال الشمالي بشخصية ممنون في الأساطير اليونانية، وهو البطل الذي ارتبطت قصته بمدينة طروادة.

لكن شهرة ممنون لم تأتِ من شكل التمثال فقط، وإنما من ظاهرة غامضة جعلت المكان مقصدًا للزائرين في العصور القديمة.

«التمثال الذي يغني عند الفجر»

بحسب الروايات القديمة، كان التمثال الشمالي يُصدر صوتًا عند شروق الشمس، وهو ما فسره الزائرون باعتباره صوتًا صادرًا من ممنون يحيي والدته عند الفجر.

وهكذا تحولت ظاهرة صوتية غامضة إلى أسطورة، وأصبح التمثالان معروفين باسم «تمثالي ممنون»، رغم أن الشخصية التي يصورانها هي الملك المصري أمنحتب الثالث.

ويربط الباحثون الظاهرة بظروف طبيعية داخل الحجر، خاصة التغيرات التي تحدث مع ارتفاع حرارة الصخر والرطوبة في الساعات الأولى من النهار. كما ارتبط ظهور الصوت تاريخيًا بالزلزال الذي ضرب المنطقة في العصور القديمة وألحق أضرارًا بالتمثال.

لماذا اختفى الصوت؟

تذكر المصادر القديمة أن الظاهرة انتهت بعد أعمال ترميم أجريت للتمثال في العصر الروماني، ومنذ ذلك الوقت لم يعد الصوت الأسطوري يُسمع بالطريقة التي وصفها الرحالة القدماء.

وهكذا أصبحت قصة «ممنون المغني» جزءًا من تاريخ المكان، حتى بعد اختفاء الظاهرة التي صنعت شهرته في العالم القديم.

من معبد ضخم إلى تمثالين فقط

المفارقة الأبرز أن الزائر المعاصر يرى التمثالين قائمين وسط المشهد الزراعي المفتوح، وقد يصعب عليه تخيل أنهما كانا يومًا جزءًا من مجمع معماري هائل.

ومع مرور آلاف السنين، تعرض المعبد للتدمير والعوامل الطبيعية، بينما بقي العملاقان في موضعهما تقريبًا، ليقدما واحدة من أوضح الصور عن الحجم الهائل للمنشأة التي أقامها أمنحتب الثالث.

أكثر من 3 آلاف عام من الحكايات

لم يكن التمثالان مجرد رمزين للقوة الملكية، بل تحولا عبر الزمن إلى نقطة التقاء بين التاريخ والأسطورة والسياحة.

مر بهما المصريون القدماء، ثم الرحالة اليونانيون والرومان، وبعد ذلك أصبحا من أبرز المشاهد التي ارتبطت برحلات الأوروبيين إلى مصر.

وفي كل مرحلة، كان التمثالان يحملان اسمًا أو حكاية جديدة، بينما ظلت هويتهما الأصلية ثابتة: صورة ضخمة للملك أمنحتب الثالث، صاحب أحد أعظم المشروعات الملكية في طيبة.

حارسان على أبواب طيبة

اليوم، يقف العملاقان في غرب الأقصر وكأنهما يواجهان القادم إلى المدينة القديمة، لكن المشهد الحالي لا يعكس تمامًا الصورة التي عرفها المصري القديم.

فخلفهما كان يوجد معبد جنائزي هائل، بينما تحيط بهما اليوم بقايا طيبة وحقول الأقصر ومشهد النيل الذي ظل جزءًا من حياة المنطقة آلاف السنين.

وربما تكمن قوة تمثالي ممنون في هذه المفارقة تحديدًا؛ فالمعبد اختفى إلى حد كبير، والأسطورة تغيرت، والصوت الذي أثار دهشة القدماء صمت منذ قرون، لكن العملاقين بقيا في مكانهما.

تمثالان للملك أمنحتب الثالث، حملا اسم ممنون، واشتهرا بأسطورة الصوت، ثم تحولا مع مرور الزمن إلى أحد أشهر رموز الأقصر وطيبة القديمة؛ حارسين حجريين لم يغادرا موقعهما، بينما تغير العالم من حولهما مرات لا تحصى.

تم نسخ الرابط