هل زار المصريون القدماء أيرلندا؟ حكاية الأميرة سكوتا وأسرار الاكتشافات الأثرية
هل وصل المصريون القدماء إلى أيرلندا قبل آلاف السنين؟ سؤال ظل حاضرا في عدد من الروايات والأساطير الأيرلندية القديمة، إلا أن القصة لا تتوقف عند الحكايات المتوارثة، إذ ارتبطت أيضا باكتشافات أثرية ودراسات جينية أثارت اهتمام الباحثين، وفتحت بابا واسعا للنقاش حول طبيعة الهجرات القديمة والاتصالات بين شعوب الشرق الأوسط وأوروبا.
وتبرز من بين هذه الروايات قصة الأميرة المصرية "سكوتا"، التي ارتبط اسمها في بعض المصادر الأيرلندية والاسكتلندية بحكاية وصول جماعة من أتباعها إلى أيرلندا، بينما تقدم الاكتشافات الأثرية والجينية صورة أكثر تعقيدا عن حركة البشر بين المناطق المختلفة خلال عصور ما قبل التاريخ.
أسطورة الأميرة سكوتا
تعد "سكوتا" واحدة من أشهر الشخصيات التي ظهرت في الأساطير التاريخية الأيرلندية والاسكتلندية خلال العصور الوسطى، ووفقا للروايات المتداولة، كانت سكوتا أميرة مصرية وابنة لفرعون، وهاجرت من مصر برفقة مجموعة كبيرة من أتباعها، قبل أن تصل في نهاية رحلتها إلى أيرلندا.
وتشير بعض النصوص الأيرلندية والاسكتلندية في العصور الوسطى، ومن بينها "ليبور جابالا إيرين"، المعروف باسم "كتاب غزو أيرلندا"، إلى شخصية سكوتا باعتبارها ابنة ملك مصري، بينما تذكر روايات أخرى أسماء مختلفة لوالدها، من بينها "سينجريس" أو الفرعون "فريل".
وبحسب الأسطورة، تزوجت سكوتا من أمير يوناني أو سكيثي يعرف في بعض الروايات باسم "غايثيلوس" أو "نيول"، وانطلقا معا في رحلة عبر البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى شبه الجزيرة الأيبيرية.
وتواصل الرواية الأسطورية مسارها بالقول إن أحفادهما، ومن بينهم شخصية "غويذل غلاس"، ارتبطوا بتأسيس اللغة الغالية وسلالة "الميليسيين"، قبل أن يهاجروا في نهاية المطاف إلى أيرلندا واسكتلندا.
وترتبط الأسطورة أيضا بتفسير أصل اسم "الاسكتلنديين" و"اسكتلندا"، إذ تنسب بعض التقاليد هذه التسمية إلى اسم الأميرة سكوتا.
وتحكي إحدى الروايات أنها لقيت مصرعها في معركة أثناء امتطائها حصانا، وكانت حاملا في ذلك الوقت، بينما تشير تقاليد محلية في مقاطعة كيري إلى موقع يعتقد أنه يضم قبرها، أسفل حجر أثري منقوش في واد يعرف باسم "غلين سكويثين"، أو "وادي سكوتا".
ومع ذلك، تظل قصة سكوتا في إطار الأساطير والتقاليد التاريخية، ولا تعد دليلا أثريا حاسما على انتقال أميرة مصرية إلى أيرلندا.
اكتشاف أثري يثير التساؤلات
بعيدا عن الأسطورة، ظهرت على مدار العقود الماضية اكتشافات أثرية دفعت بعض الباحثين إلى طرح تساؤلات حول طبيعة الاتصالات والهجرات التي شهدتها أوروبا خلال العصور القديمة.
وفي عام 1955، عثر عالم الآثار الأيرلندي الدكتور شون أوريوردان، من كلية ترينيتي في دبلن، على بقايا هيكل عظمي لصبي صغير في "تل الرهائن" بمنطقة تارا في أيرلندا.
وأشارت عملية التأريخ بالكربون المشع إلى أن بقايا الصبي تعود إلى نحو عام 1350 قبل الميلاد، وهي فترة شهدت تحركات واسعة للسكان وتبادلا تجاريا وثقافيا بين مناطق مختلفة من أوروبا والبحر المتوسط.
وكان من بين العناصر التي عثر عليها مع الهيكل العظمي قلادة مكونة من خرز خزفي، أثارت اهتمام الباحثين بسبب أوجه التشابه التي قيل إنها تجمع بين تصميمها وطرق صناعتها وبعض أنواع الخرز المعروفة في مصر القديمة.
كما ربطت بعض الروايات بين شكل هذه القلادة والحلي التي ظهرت في مقتنيات الملك المصري توت عنخ آمون، الذي عاش خلال العصر نفسه تقريبا.
إلا أن التشابه في تصميم قطعة أثرية لا يكفي بمفرده لإثبات أن صاحبها كان مصريا، إذ يمكن أن تنتقل المنتجات والحلي بين المجتمعات القديمة عبر التجارة والهجرة والتبادل الثقافي.
ماذا تقول الدراسات الجينية؟
زاد الاهتمام بهذه الفرضيات مع تطور أبحاث الحمض النووي القديم، التي قدمت خلال السنوات الماضية معلومات جديدة حول حركة السكان والهجرات التي شهدتها أيرلندا وأوروبا خلال آلاف السنين.
وفي عام 2015، أعلن باحثون من كلية ترينيتي في دبلن وجامعة كوينز في بلفاست عن نتائج دراسات تناولت التسلسل الجيني لبشر أيرلنديين عاشوا في عصور مختلفة، وأظهرت النتائج حدوث تحولات سكانية كبيرة في أيرلندا خلال عصور ما قبل التاريخ.
وكشفت دراسة جينية لمزارعة عاشت بالقرب من بلفاست قبل نحو 5200 عام عن أصول وراثية ارتبطت بدرجة كبيرة بسكان الشرق الأوسط، كما أظهرت الدراسة أن صفاتها الجسدية كانت مختلفة عن الصورة التقليدية للسكان الأيرلنديين في العصور اللاحقة.
وفي المقابل، كشفت دراسة أجريت على ثلاثة رجال عاشوا خلال العصر البرونزي، قبل نحو 4 آلاف عام، عن وجود نسبة من أصولهم مرتبطة بسكان سهوب بونتيك الواقعة بالقرب من البحر الأسود.
وأظهرت النتائج أيضا أن هؤلاء الرجال حملوا نمطا شائعا من كروموسوم Y بين سكان أيرلندا في العصر الحديث، إلى جانب صفات وراثية أخرى ارتبطت لاحقا بالسكان الأيرلنديين.
هجرات قديمة.. لكن هل كان المصريون بينهم؟
وتشير هذه النتائج إلى أن أيرلندا شهدت بالفعل موجات هجرة وتغيرات سكانية مهمة خلال آلاف السنين، ما يوضح أن سكان الجزر البريطانية لم يكونوا مجموعة معزولة عن بقية العالم القديم.
لكن وجود أصول وراثية مرتبطة بالشرق الأوسط لا يعني بالضرورة أن أصحابها كانوا من المصريين القدماء، كما أن الأدلة الجينية المتاحة لا تثبت بصورة قاطعة أن المصريين القدماء هاجروا إلى أيرلندا.
وهنا تبرز أهمية الفصل بين الأسطورة والدليل العلمي؛ فقصة الأميرة سكوتا تنتمي إلى التراث الأسطوري الأيرلندي والاسكتلندي، بينما تكشف الاكتشافات الأثرية والدراسات الجينية عن حقيقة أوسع، وهي أن البشر تحركوا بين مناطق بعيدة خلال عصور ما قبل التاريخ، وأن أيرلندا شهدت بالفعل موجات هجرة واتصالا مع مناطق خارج الجزر البريطانية.
ويبقى السؤال حول وجود مصريين قدماء تحديدا في أيرلندا محل بحث ونقاش، ويحتاج إلى أدلة أثرية أو جينية أكثر مباشرة حتى يمكن الانتقال من دائرة الاحتمالات والتكهنات إلى الاستنتاجات العلمية الحاسمة.





