قبل اختراع السينما بآلاف السنين.. كيف حرك إنسان الكهوف رسومه بالنار؟
قبل عشرات الآلاف من السنين، وفي أعماق الكهوف المظلمة، رسم الإنسان القديم صورًا للخيول والأسود والماموث على الصخور، لكن بعض هذه الرسوم تكشف عن جانب أكثر تعقيدًا من مجرد القدرة على الرسم؛ إذ ظهرت بعض الحيوانات بأرجل ورؤوس متكررة أو في أوضاع متعاقبة، بما يوحي بأن الفنان القديم ربما حاول تسجيل مراحل الحركة داخل صورة واحدة.
ومع الضوء المتذبذب للنار أمام هذه الرسوم، قد تكون الصورة الثابتة بدت للمشاهد وكأنها تتحرك بالفعل، في تجربة بصرية تقترب، من حيث الفكرة، من بعض مبادئ تصوير الحركة الحديثة.
وتستند هذه الفرضية إلى أبحاث أثرية منشورة، من بينها دراسة للباحثين مارك أزيما وفلوران ريفير في دورية Antiquity التابعة لجامعة كامبريدج، تناولت أساليب تمثيل الحركة في فن العصر الحجري القديم، إلى جانب دراسة نشرت في دورية PLOS ONE عام 2022، بحثت تأثير ضوء النار المتحرك على نقوش حجرية تعود إلى العصر الحجري القديم الأعلى.
حيوان بثماني أرجل
ومن أبرز الأمثلة التي أثارت اهتمام الباحثين رسم لحصان يظهر بعدة رؤوس وأجزاء أمامية متكررة، إلى جانب ذيلين، وهو ما قد يشير إلى محاولة الفنان تمثيل الحيوان أثناء تغيير وضع رأسه وجسده.
ورغم أن هذا الأسلوب لا يمثل تصويرًا متحركًا بالمعنى الحديث، فإنه يشبه من الناحية البصرية فكرة جمع لقطات متتابعة للحركة داخل مشهد واحد.
عندما أصبح ضوء النار جزءًا من المشهد
لم تكن طريقة الرسم وحدها هي العنصر المسؤول عن الإيحاء بالحركة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن الضوء نفسه ربما كان جزءًا من التجربة الفنية.
وفي دراسة شملت 50 قطعة حجرية صغيرة محفورة من موقع مونتاستروك في جنوب فرنسا، استخدم الباحثون الفحص المجهري والنماذج ثلاثية الأبعاد والواقع الافتراضي والتجارب العملية، لمحاولة فهم الطريقة التي ربما شاهد بها الإنسان القديم هذه النقوش.
وأظهرت النتائج مؤشرات على أن بعض القطع ربما وُضعت بالقرب من مواقد النار في بيئات منخفضة الإضاءة، وعند إعادة التجربة، أدى تحرك الضوء إلى إبراز أجزاء مختلفة من النقوش بالتتابع، ما جعل بعض الحيوانات تبدو وكأنها تتحرك أو تظهر من الظلام ثم تختفي مجددًا.
ويرتبط هذا التأثير بطريقة استجابة الدماغ البشري للتغيرات السريعة في الضوء والظل، والتي يمكن أن تُفسر بصريًا على أنها حركة.
وتضم مقتنيات المتحف البريطاني إحدى القطع التي تحمل نقوشًا لخيول، بينما تحتوي قطع أخرى من المجموعة نفسها على حيوانات متراكبة أو تشترك في بعض خطوط أجسادها، وهو ما قد يجعل تأثير تغير الإضاءة عليها أكثر وضوحًا.
هل اخترع الإنسان القديم «السينما»؟
يستخدم بعض الباحثين تعبير «ما قبل صدى السينما» لوصف هذه الظاهرة، لكن المصطلح لا يعني أن الإنسان في العصر الحجري اخترع السينما بمعناها الحديث.
فلم تكن هناك شاشات أو صور تُعرض آليًا واحدة تلو الأخرى، وإنما تشير الأدلة إلى أن الإنسان القديم ربما كان واعيًا بالحركة وطريقة إدراكها، وحاول تمثيل مراحلها بصريًا، وربما استفاد من الضوء المتغير لإضفاء مزيد من الحيوية على الرسوم الثابتة.
وتكشف رسوم الكهوف، بهذه القراءة، أن الإنسان القديم لم يكن يرسم فقط ما يراه، بل ربما كان يفكر أيضًا في الطريقة التي سيرى بها الآخرون ما رسمه.
وبين صخرة محفورة وشعلة نار تتحرك أمامها، ربما عاش أسلافنا تجربة بصرية جعلت حصانًا ثابتًا على الحجر يبدو، للحظات، وكأنه يركض في ظلام الكهف.


