رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

بعد ستة عقود من التوقف.. الصين تعود مع مصر للتنقيب في معبد سخمت

معبد سخمت
معبد سخمت

لا تقتصر أهمية التعاون الأثري بين مصر والصين على تنفيذ بعثة مشتركة أو الكشف عن مجموعة جديدة من اللقى الأثرية، وإنما يعكس توجهًا متناميًا نحو بناء شراكة علمية تجمع بين حضارتين من أقدم حضارات العالم، وتوظف الخبرات المصرية والصينية في دراسة المواقع الأثرية وحمايتها وتوثيقها.

ويأتي مشروع البعثة المصرية الصينية المشتركة في منطقة معبد سخمت بميت رهينة، بالتعاون بين المجلس الأعلى للآثار ومتحف شنغهاي، نموذجًا لهذا التعاون، بعدما بدأت البعثة أعمالها في تنظيف وتوثيق المعبد وإجراء حفائر في المناطق المحيطة به، للكشف عن طبيعة المنطقة وتطور استخدامها عبر العصور.

الصين تدخل قلب منف القديمة

تمثل ميت رهينة، التي كانت عاصمة مصر القديمة «منف»، واحدة من أهم المناطق الأثرية في مصر، ولذلك فإن العمل داخلها لا يقتصر على الكشف عن مبنى أثري منفرد، وإنما يرتبط بمحاولة إعادة قراءة تاريخ مدينة كاملة ظلت مركزًا دينيًا وسياسيًا وعمرانيًا لقرون طويلة.

ومن هنا تأتي أهمية مشاركة الجانب الصيني في أعمال البحث والتنقيب والتوثيق، خاصة مع استمرار البعثة في دراسة معبد سخمت والمنطقة المحيطة به، بما يسمح بتكوين صورة أكثر شمولًا عن طبيعة الحياة في منف القديمة.

شراكة تتجاوز الحفائر

وتكشف التجربة المصرية الصينية أن التعاون الأثري لم يعد قائمًا فقط على أعمال التنقيب التقليدية، وإنما أصبح يشمل التوثيق المعماري، والدراسة العلمية لللقى والعناصر الأثرية، وتبادل الخبرات بين المتخصصين.

وتتيح البعثات المشتركة للباحثين من الجانبين العمل داخل المواقع الأثرية بصورة مباشرة، وتبادل الخبرات في مجالات الكشف والتوثيق والحفاظ على التراث، وهو ما يضيف قيمة علمية إلى نتائج الحفائر.

اكتشافات تؤكد أهمية الشراكة

وخلال أعمالها بموقع معبد سخمت، كشفت البعثة عن بقايا مجمع سكني من الطوب اللبن، إلى جانب عناصر حجرية وأجزاء من تماثيل، فضلًا عن عنصر معماري يرجح أنه كان يستخدم كمعصرة للنبيذ، وعُثر بداخله على بذور للعنب.

كما ظهرت مجموعة متنوعة من اللقى، بينها تمائم من الفيانس وتماثيل صغيرة وتراكوتا وأوستراكات ولوحات نذرية، إلى جانب عناصر يرجع بعضها إلى عصر الدولة الحديثة، وخاصة عصر الملك رمسيس الثاني.

ولا تكمن أهمية هذه المكتشفات في قيمتها الأثرية فقط، وإنما في قدرتها على تقديم معلومات جديدة عن الأنشطة التي شهدتها المنطقة، وطبيعة الاستيطان البشري حول أحد أهم المراكز الدينية في منف.

مصر والصين.. حضارتان تلتقيان في موقع أثري واحد

يحمل التعاون بين البلدين دلالة خاصة، فمصر والصين تمتلكان تراثًا حضاريًا ضخمًا يمتد لآلاف السنين، وتواجهان في الوقت نفسه تحديات متشابهة تتعلق بالحفاظ على المواقع الأثرية وإتاحتها للأجيال القادمة.

ولهذا يمكن أن تتحول الشراكة بين المؤسسات الأثرية المصرية والصينية إلى مساحة لتبادل المعرفة والتجارب، ليس فقط في التنقيب، ولكن أيضًا في أساليب التوثيق والحفاظ والإدارة العلمية للمواقع التراثية.عودة الحفائر بعد أكثر من ستة عقودويكتسب المشروع أهمية إضافية لأنه يعيد أعمال الحفائر إلى معبد سخمت والمنطقة المحيطة به بعد توقف طويل.

فقد اكتُشف المعبد بالمصادفة عام 1959، ثم أجريت أعمال تنقيب بالموقع خلال الفترة من 1961 إلى 1962، قبل أن تبدأ أعمال توثيق للعناصر الظاهرة على سطح الموقع عام 2015.

أما اليوم، فتعود البعثة المصرية الصينية لاستكمال أعمال الكشف والتوثيق، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة دراسة الموقع باستخدام أدوات وخبرات حديثة، وربط النتائج الجديدة بما تم اكتشافه في المواسم السابقة.

ماذا يمكن أن تكشف المواسم المقبلة؟

تواصل البعثة أعمالها خلال المواسم القادمة، وهو ما يعني أن الاكتشافات الأخيرة قد لا تكون سوى بداية لسلسلة جديدة من النتائج العلمية في منطقة معبد سخمت.

ومع استمرار التعاون المصري الصيني، يمكن أن تكشف الحفائر مزيدًا من التفاصيل حول حدود المنطقة السكنية، والأنشطة الاقتصادية التي كانت تمارس بها، وعلاقتها بمعبد بتاح الكبير، فضلًا عن مراحل تطور الموقع عبر العصور.

وهكذا، فإن التعاون المصري الصيني في ميت رهينة لا يمثل مجرد بعثة أثرية مشتركة، بل نموذجًا لشراكة علمية يمكن أن تسهم في إعادة اكتشاف صفحات جديدة من تاريخ مصر القديمة، عبر الجمع بين الخبرة المصرية المتراكمة والتعاون الدولي في مجال البحث الأثري.ومن قلب منف القديمة، تلتقي خبرات بلدين يمتلكان واحدة من أقدم التجارب الحضارية في العالم، ليصبح الماضي نفسه مساحة جديدة للتعاون وبناء جسور المعرفة بين مصر والصين.

تم نسخ الرابط