بعد سنوات من الانتظار.. ماذا تحمل لائحة الموارد البشرية الجديدة للعاملين بالآث
عاد ملف لائحة الموارد البشرية للعاملين بالمجلس الأعلى للآثار إلى الواجهة بقوة خلال الفترة الأخيرة، في ظل تحركات رسمية تستهدف تحديث منظومة الموارد البشرية والأجور، ووضع إطار أكثر تنظيمًا لشؤون العاملين داخل المجلس.
ويأتي ذلك في وقت يضم فيه المجلس قوة بشرية كبيرة تعمل في قطاعات متعددة، من الآثار والمتاحف والترميم والمشروعات إلى الشؤون المالية والإدارية، بما يجعل أي تغيير في منظومة الموارد البشرية ذا تأثير مباشر على آلاف الموظفين. وتوضح وزارة السياحة والآثار أن عدد العاملين بالمجلس يتجاوز 30 ألف موظف، فيما أعلن الأمين العام للمجلس في يوليو الماضي أن نحو 27.5 ألف موظف يستفيدون من منظومة الأجور الحالية.
لجان مشتركة لإعداد اللائحة
التحرك الحالي لا يأتي بصورة منفصلة، إذ بدأت وزارة السياحة والآثار بالتنسيق مع الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة العمل على تطوير وتحديث الهياكل التنظيمية، إلى جانب إنهاء مشروعات لوائح الموارد البشرية للهيئات التابعة للوزارة.
وعقدت اللجان المشتركة أول اجتماعاتها في يناير 2026، وكان من بين الملفات المطروحة استكمال المرحلة الثانية من الهيكل التنظيمي للمجلس الأعلى للآثار، واستحداث الإدارات اللازمة وفقًا لاحتياجات العمل، بما يهدف إلى رفع كفاءة الأداء المؤسسي وتعزيز الحوكمة.
ماذا عن الأجور؟
الجانب المالي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للعاملين، خاصة مع وجود اختلافات في تطبيق بعض عناصر الأجور بين الجهات والقطاعات.
وفي يوليو الماضي، أوضح أحمد عبيد، الوكيل الدائم لوزارة السياحة والآثار، أن الوزارة تعمل على تطوير منظومة الموارد البشرية والأجور، وأن هناك اختلافات في تطبيق بعض عناصر الأجر الوظيفي داخل قطاعات المجلس الأعلى للآثار يجري العمل على مراجعتها وإصلاحها.
وأشار إلى أن مسودة اللائحة الجديدة أُرسلت إلى ممثلي الإدارات المختلفة لإبداء ملاحظاتهم، تمهيدًا لإعداد الصيغة النهائية وعرضها على الجهات المختصة واستكمال الإجراءات القانونية اللازمة لاعتمادها.
15 وحدة حسابية أصبحت وحدتين
وبالتوازي مع إعداد اللائحة، شهد ملف صرف المستحقات المالية خطوة تنظيمية مهمة.
فبحسب ما أعلنته وزارة السياحة والآثار، جرى تقليص عدد الوحدات الحسابية الخاصة بالمجلس الأعلى للآثار من 15 وحدة حسابية إلى وحدتين مركزيتين، بهدف تحسين كفاءة الإدارة المالية وتحقيق قدر أكبر من العدالة والاتساق في منظومة الأجور.
وأكدت الوزارة أن عملية الضم تمت بالنسبة للغالبية العظمى من العاملين، بينما يتبقى نحو 400 موظف يجري استكمال إدخال ومراجعة بياناتهم وتسوية بعض المستحقات والحسابات الخاصة بالفترات السابقة.
لائحة جديدة أم مجرد تنظيم إداري؟
أهمية اللائحة لا تتوقف عند تنظيم الإجراءات اليومية داخل المؤسسات، وإنما تمتد إلى تحديد قواعد أكثر وضوحًا لإدارة الموارد البشرية، بما في ذلك الأجور والحوافز والتقييم والترقي والمسار الوظيفي.
وهذا ما يجعل العاملين يترقبون الصيغة النهائية، خصوصًا أن الوزارة أكدت أن الهدف من تطوير المنظومة هو الوصول إلى حلول عادلة وقابلة للتطبيق، مع مراعاة الإجراءات القانونية والمالية اللازمة قبل إصدار القرارات النهائية.
الاستثمار في العنصر البشري
التحرك بشأن اللائحة يأتي أيضًا بالتزامن مع تأكيد رسمي متكرر على أهمية العنصر البشري داخل قطاع الآثار.
وخلال اجتماع موسع مع قيادات الوزارة والمجلس الأعلى للآثار، شدد وزير السياحة والآثار على أهمية الاستثمار في العنصر البشري، وإعداد صف ثان وثالث من الكوادر القادرة على تولي المسؤولية مستقبلًا، إلى جانب وضع آلية واضحة لتقييم الأداء وإثابة العاملين المتميزين.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في قطاع يعتمد على تخصصات شديدة التنوع؛ فحماية الأثر لا يقوم بها مفتش الآثار وحده، وإنما تشترك فيها فرق الترميم والتسجيل والمتاحف والمشروعات والأمن والإدارة وغيرها من التخصصات.
27.5 ألف موظف.. منظومة بشرية ضخمة
حجم القوة البشرية يوضح لماذا يمثل ملف اللائحة قضية إدارية ومالية كبيرة.
فقد أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أن عدد العاملين يبلغ نحو 27 ألفًا و500 موظف، فيما تصل فاتورة الأجور السنوية إلى نحو 3.47 مليار جنيه. وتشمل هذه القوة تخصصات متعددة تعمل في المواقع الأثرية والمتاحف والقطاعات المختلفة التابعة للمجلس
وبالتالي، فإن أي تغيير في منظومة الموارد البشرية لا يتعلق بمجرد تعديل بنود إدارية، وإنما بمنظومة مالية ووظيفية واسعة تمتد آثارها إلى آلاف الأسر والعاملين في مختلف أنحاء الجمهورية.
ماذا ينتظر العاملون؟
السؤال الأهم الآن هو: متى تتحول المسودة إلى لائحة معتمدة؟
المؤشرات الرسمية الأخيرة تشير إلى أن اللجان المشتركة قطعت شوطًا في إعداد مشروعات اللوائح، وأن نتائج أعمالها يجري تمهيدًا لإرسالها إلى الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ووزارة المالية لاستكمال الإجراءات اللازمة وفقًا للقوانين واللوائح المنظمة.
لكن حتى صدور اللائحة واعتمادها رسميًا، تظل التفاصيل النهائية المتعلقة بالمزايا والأجور والحوافز وآليات التقييم والترقي مرتبطة بما ستنتهي إليه المراجعات والموافقات من الجهات المختصة.
اختبار جديد لمنظومة العمل داخل الآثار
في النهاية، تبدو لائحة الموارد البشرية الجديدة أمام اختبار مزدوج: تحقيق قدر أكبر من العدالة والاستقرار للعاملين، وفي الوقت نفسه بناء منظومة إدارية أكثر كفاءة وقدرة على إدارة واحد من أكبر القطاعات المعنية بحماية التراث المصري.
فالعاملون في المواقع الأثرية والمتاحف ومشروعات الترميم لا يمثلون مجرد بند في الموازنة، وإنما هم القوة التي تقف يوميًا خلف حماية الآثار وتشغيل المواقع وخدمة الزائرين.
ومن هنا، فإن نجاح اللائحة لن يقاس فقط بموعد صدورها، وإنما بقدرتها على وضع قواعد واضحة ومستقرة يشعر معها العامل أن حقوقه ومساره الوظيفي وتقييم أدائه تخضع لمنظومة عادلة، وفي المقابل يحصل قطاع الآثار على كوادر أكثر تحفيزًا وكفاءة وقدرة على مواصلة مسؤولية الحفاظ على التراث المصري.