تابوزيريس ماجنا.. موقع أثري يستعد للعودة إلى خريطة السياحة الثقافية بالساحل
يقف موقع أثري يحمل بين أطلاله فصولًا من تاريخ مصر خلال العصرين البطلمي والروماني. هناك، في منطقة أبو صير ببرج العرب، يقع موقع تابوزيريس ماجنا، أو «المقبرة العظمى لأوزيريس»، الذي يستعد لمرحلة جديدة من أعمال التطوير تمهيدًا لفتحه أمام الجمهور.
وخلال جولته التفقدية بالموقع، تابع شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أعمال البعثة المصرية الدومينيكية العاملة في تابوزيريس ماجنا، برئاسة الدكتورة كاثلين مارتينيز، واطلع على ما أنجزته البعثة على مدار أكثر من عقدين من أعمال الحفائر والتنقيب والترميم والدراسة العلمية.
أكثر من 20 عامًا في البحث والتنقيب

لم تكن رحلة البعثة داخل الموقع قصيرة، فقد امتدت أعمالها لأكثر من 20 عامًا، شهدت خلالها عمليات بحث وتنقيب عن ملامح المدينة القديمة وما ارتبط بها من منشآت دينية وجنائزية ومعمارية.
وخلال الجولة، استمع الوزير إلى شرح حول تاريخ الموقع وأهم نتائج أعمال البعثة، التي ساعدت في إلقاء مزيد من الضوء على مكانة تابوزيريس ماجنا الدينية والتاريخية خلال العصرين البطلمي والروماني.
وتكشف العناصر الأثرية المكتشفة بالموقع عن مجتمع كان يرتبط بممارسات دينية وجنائزية متعددة، فيما تعكس اللقى والنقوش والتماثيل جوانب من الحياة والفنون والعقائد التي سادت المنطقة خلال تلك الفترة.
أبراج وأسوار تستعيد ملامحها
ولا تتوقف أعمال الموسم الحالي عند التنقيب والكشف الأثري، وإنما تمتد إلى حماية ما ظهر من عناصر معمارية.
وتعمل البعثة حاليًا على ترميم وتدعيم أبراج البوابات والأسوار المحيطة بمعبد تابوزيريس ماجنا، في إطار مشروع يستهدف الحفاظ على الموقع وصون عناصره المعمارية، بما يسمح باستمرار أعمال الدراسة والبحث ويحافظ على المكتشفات من عوامل التدهور.
وتكتسب أعمال الترميم أهمية خاصة في المواقع الأثرية التي تمتد مكوناتها عبر عصور مختلفة، إذ لا يتعلق الأمر بإعادة بناء العناصر القديمة فحسب، وإنما بالحفاظ على ما تبقى منها وفق الأسس العلمية المتبعة في ترميم المواقع الأثرية.
مقابر ومومياوات وأقنعة مذهبة

وعلى مدار سنوات العمل، كشفت البعثة عن مجموعة متنوعة من الشواهد الأثرية.ومن بين المكتشفات بقايا منشآت ومعابد، ونقوش ولقى نذرية وتماثيل، إلى جانب جبانة تضم عددًا من السراديب الجنائزية والمومياوات والأقنعة الجنائزية المذهبة.
وتمنح هذه المكتشفات الباحثين فرصة أوسع لفهم الممارسات الجنائزية في تلك الفترة، كما تكشف عن التأثيرات الفنية التي ظهرت في المنطقة خلال العصرين البطلمي والروماني.
فكل مقبرة أو قطعة أثرية لا تمثل مجرد اكتشاف منفصل، وإنما يمكن أن تضيف جزءًا جديدًا إلى صورة الحياة الدينية والاجتماعية والفنية التي عرفها الموقع على مدار تاريخه.
أسرار تحت الأرض وتحت الماء
ولا تقتصر أهمية تابوزيريس ماجنا على ما يظهر فوق سطح الأرض.
فأعمال البعثة كشفت أيضًا عن مجمع من الأنفاق، إلى جانب شواهد أثرية مغمورة بالمياه في المنطقة الساحلية، تضمنت منشآت وميناءً غارقًا.
وتكشف هذه العناصر عن امتداد عمراني وتاريخي أوسع للموقع، وتشير إلى ارتباطه بالمجال الساحلي وحركة النشاط التي شهدتها المنطقة في العصور القديمة.
وهنا تتداخل أعمال الحفائر البرية مع البحث في الآثار الغارقة، لتقديم صورة أكثر اكتمالًا عن الموقع ومحيطه الجغرافي والاقتصادي والديني.
من موقع بحثي إلى مقصد للزيارة

ورغم القيمة الأثرية الكبيرة للموقع، فإن تابوزيريس ماجنا لم يتحول حتى الآن إلى مقصد مفتوح أمام الجمهور على غرار عدد من المواقع الأثرية المعروفة في مصر.
ولهذا وجّه وزير السياحة والآثار بدراسة إعداد مشروع متكامل لتطوير الموقع ورفع كفاءة الخدمات والبنية الأساسية به، بما يتناسب مع قيمته الأثرية والتاريخية، تمهيدًا لفتحه أمام الزائرين.
ويحمل هذا التوجه بعدًا يتجاوز مجرد فتح موقع أثري جديد، إذ يمكن أن يضيف تابوزيريس ماجنا عنصرًا جديدًا إلى خريطة السياحة الثقافية في الساحل الشمالي، خاصة مع تزايد الاهتمام بربط المقاصد الساحلية بالمواقع التاريخية والأثرية القريبة منها.
الساحل الشمالي بوجه آخر
على مدار السنوات الماضية، ارتبط الساحل الشمالي في أذهان الزائرين بالشواطئ والمنتجعات والمصايف، لكن المنطقة تحمل في الوقت نفسه طبقات تاريخية تمتد إلى عصور قديمة.
ومن هنا تأتي أهمية تطوير تابوزيريس ماجنا، باعتباره موقعًا يمكن أن يربط بين السياحة الساحلية والسياحة الثقافية، ويمنح زوار المنطقة فرصة للتعرف على جانب آخر من تاريخ الساحل المصري.
فالموقع يقع على بعد نحو 45 كيلومترًا غرب الإسكندرية، وكان مركزًا دينيًا وتجاريًا مهمًا خلال العصرين البطلمي والروماني، ما يمنحه مقومات تجعله قابلًا لأن يصبح جزءًا من مسار سياحي وثقافي أوسع في المنطقة.
20 عامًا من العمل.. وخطوة جديدة في الطريق

وأشاد وزير السياحة والآثار بجهود البعثة المصرية الدومينيكية في أعمال الحفائر والترميم والدراسة العلمية، وما أسفرت عنه من نتائج أسهمت في تعزيز المعرفة بتاريخ تابوزيريس ماجنا وأهميته.
وبين أنفاق تمتد تحت الأرض، ومنشآت غارقة في المياه، ومقابر تحمل آثار طقوس جنائزية قديمة، وأسوار وأبراج تخضع للترميم، تتشكل ملامح موقع لا يزال يحمل الكثير من الأسرار.
وبعد أكثر من 20 عامًا من العمل الأثري، يبدو أن تابوزيريس ماجنا يقترب من مرحلة جديدة؛ مرحلة لا يكون فيها الموقع مجرد مساحة للبحث والتنقيب، وإنما مقصدًا مفتوحًا أمام الجمهور.
فإذا اكتملت أعمال التطوير وارتفعت كفاءة الخدمات والبنية الأساسية، فقد يجد الساحل الشمالي نفسه أمام إضافة ثقافية جديدة، لا تقوم على البحر وحده، وإنما على تاريخ مدفون تحت الرمال، وآثار غارقة في المياه، وموقع كان يومًا مركزًا دينيًا وتجاريًا مهمًا في مصر القديمة.