رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

رحلة الشمس في العالم الآخر.. أسرار الليل والبعث في عقيدة المصريين القدماء

البعث عند المصري
البعث عند المصري القديم

لم يكن غروب الشمس بالنسبة إلى المصري القديم مجرد نهاية ليوم وبداية لليل، بل كان بداية رحلة كونية غامضة يخوضها إله الشمس رع داخل العالم الآخر، حيث يواجه قوى الظلام والمخاطر، ويعبر مناطق تسكنها كائنات ومعبودات مختلفة، قبل أن ينتصر ويولد من جديد مع بزوغ الفجر، في دورة متجددة تعكس مفاهيم الحياة والموت والبعث والخلود.

ومن هذا التصور نشأت واحدة من أبرز المعتقدات الدينية في مصر القديمة، وهي رحلة الشمس الليلية عبر العالم السفلي، التي وثقتها نصوص جنائزية ونقوش ملونة على جدران المقابر الملكية والتوابيت والبرديات، لتقدم تصورًا تفصيليًا عن العالم الذي ينتقل إليه المتوفى، والمخاطر التي تواجهه، والوسائل التي تساعده على الوصول إلى الحياة الأبدية.

وتعود هذه المعتقدات إلى تصور المصري القديم لدورة الشمس باعتبارها نموذجًا للتجدد المستمر؛ فكما تختفي الشمس في الغرب ثم تعود للظهور في الشرق كل صباح، كان يأمل الإنسان أن يعبر الموت ويستعيد الحياة في العالم الآخر، مستعينًا بالنصوص والتعاويذ والرموز الدينية التي تحفظ له طريقه.

«إيمي دوات».. الكتاب الذي سجل رحلة رع خلال 12 ساعة من الظلام

من أهم النصوص التي تناولت رحلة الشمس الليلية كتاب «إيمي دوات» (Amduat)، ويعني «ما هو موجود في العالم الآخر» أو «ما هو كائن في العالم السفلي»، ويُعد من أبرز الكتب الجنائزية التي شرحت رحلة إله الشمس رع خلال ساعات الليل الاثنتي عشرة.

وظهر هذا النص في مقابر ملوك الدولة الحديثة، ويرتبط ظهوره المبكر بمقبرة الملك تحتمس الأول في وادي الملوك، ثم انتشرت نسخه وتصويراته في عدد من المقابر الملكية، قبل أن تظهر أجزاء منه لاحقًا على البرديات والتوابيت الخاصة ببعض الأفراد.

ولم يكن الكتاب مجرد سرد أسطوري، بل تضمن مشاهد تفصيلية لمناطق العالم الآخر، والمعبودات والكائنات التي تسكنها، إلى جانب وصف رحلة المركب الشمسي وما يواجهه من عقبات، حيث قُسمت الرحلة إلى اثنتي عشرة ساعة، تبدأ مع غروب الشمس وتنتهي بعودتها إلى الظهور في الصباح.

وخلال هذه الرحلة، يعبر رع العالم السفلي على متن مركبه الشمسي، مصحوبًا بمجموعة من المعبودات التي تساعده وتحميه، بينما تظهر في النصوص والنقوش كائنات مختلفة، بعضها يقدم العون، وبعضها يمثل قوى الخطر والتهديد التي يجب تجاوزها حتى تستعيد الشمس قدرتها على الإشراق.

وتُعد الساعة السادسة من الرحلة إحدى أهم المحطات في كتاب «إيمي دوات»، إذ يحدث خلالها اتحاد رع مع أوزيريس، إله العالم الآخر والبعث، في مشهد يحمل دلالة دينية عميقة على تجدد قوة الشمس وارتباطها بفكرة الموت والعودة إلى الحياة.

ويمثل هذا الاتحاد لحظة محورية في رحلة التجدد، حيث يجتمع المظهر الشمسي المرتبط بالحركة والنور مع أوزيريس المرتبط بالموت والبعث، في تعبير عن دورة كونية لا تنتهي، تتجدد فيها الحياة بعد المرور بالعالم الآخر.

وتكشف البرديات والنقوش التي تصور كتاب «إيمي دوات» عن مدى اهتمام المصري القديم بتوثيق هذه الرحلة، إذ تظهر المعبودات والمراكب والكائنات في سجلات تصويرية منظمة، لم تكن مجرد زخارف، وإنما حملت معاني دينية وطقسية ارتبطت بمصير المتوفى ورحلته بعد الموت.

أبوفيس عدو الشمس.. معركة الظلام قبل شروق الفجر

ومن أكثر المشاهد إثارة في رحلة رع الليلية مواجهة الثعبان أبوفيس، الذي جسد في العقيدة المصرية القديمة قوى الفوضى والظلام والشر، وسعى إلى إيقاف المركب الشمسي ومنع الشمس من استكمال رحلتها والوصول إلى الأفق الشرقي.

وتصور النصوص الجنائزية أبوفيس باعتباره خصمًا خطيرًا يحاول ابتلاع المركب الشمسي أو تعطيل حركته، وهو ما جعل رحلة رع معركة متجددة تتكرر كل ليلة، ويشارك فيها عدد من المعبودات والقوى الحامية التي تعمل على التصدي للثعبان وإفشال محاولاته.

ولم يكن انتصار رع على أبوفيس مجرد انتصار إله على كائن أسطوري، بل حمل معنى أوسع يتعلق بانتصار النظام على الفوضى، والنور على الظلام، واستمرار دورة الحياة في مواجهة قوى الفناء.

وتشير مشاهد كتاب «إيمي دوات» إلى أن مواجهة أبوفيس تظهر خلال مراحل الرحلة، خاصة في الساعة السابعة، بينما تتواصل الاستعدادات والطقوس التي تساعد المركب الشمسي على استكمال طريقه نحو التجدد.

ومع الاقتراب من الساعات الأخيرة، تبدأ مرحلة استعادة قوة الشمس وتجددها، حتى يصل رع إلى الساعة الثانية عشرة، التي تمثل المحطة الأخيرة قبل الخروج إلى العالم المرئي من جديد.

وفي هذه المرحلة، يظهر الثعبان المرتبط بتجديد الحياة، ويحدث تحول رع إلى صورته المتجددة المرتبطة بالمعبود خبري، الذي يُصور في هيئة جعران، وهو رمز ارتبط بالشروق والتجدد والبعث، قبل أن تخرج الشمس إلى الأفق مع بداية النهار.

ويكشف هذا التصور عن ارتباط وثيق بين حركة الشمس اليومية ومعتقدات المصري القديم بشأن الحياة بعد الموت، إذ لم يكن الخلود يعني مجرد استمرار الجسد، بل ارتبط بالقدرة على تجاوز المخاطر وتجديد الوجود والعودة إلى الحياة في صورة جديدة. 

من رحلة الإله رع إلى مصير الإنسان.. كيف ارتبطت الشمس بالبعث والخلود؟

لم تقتصر رحلة العالم الآخر على إله الشمس وحده، بل ارتبطت أيضًا بمصير المتوفى، الذي كان يأمل في المرور بالمراحل نفسها والوصول إلى التجدد والحياة الأبدية، ولذلك احتلت النصوص الجنائزية مكانة مهمة في تجهيزات الدفن المصرية القديمة.

وكانت نصوص «إيمي دوات» وغيرها من كتب العالم الآخر تقدم للمتوفى تصورًا عن المناطق التي سيعبرها، والمعبودات التي قد يلتقي بها، والمخاطر التي يتعين عليه تجاوزها، بما يساعده على اكتساب المعرفة اللازمة للمرور الآمن في العالم السفلي.

وتوضح المقتنيات المعروضة في عدد من المتاحف العالمية كيف تحولت هذه النصوص إلى عناصر أساسية في التجهيزات الجنائزية؛ إذ يحتفظ متحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك ببرديات تحمل مشاهد من كتاب «إيمي دوات»، من بينها بردية حنت تاوي، التي تتضمن تصويرًا لساعات الليل الاثنتي عشرة، وكانت جزءًا من تجهيزاتها الجنائزية.

كما توجد بردية أخرى تعود إلى دجدموت عنخ، وتصور الساعتين الحادية عشرة والثانية عشرة من الرحلة، وتظهر مركب إله الشمس والمعبودات المصاحبة له، إلى جانب مشهد أوزيريس والجعران الذي يرمز إلى لحظة التجدد السابقة لشروق الشمس.

وفي مصر، تحتفظ مكتبة الإسكندرية بجزء من بردية «إيمي دوات» ضمن مقتنيات متحف الآثار، وهي وثيقة أثرية مهمة تصور الساعات التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة من رحلة إله الشمس، وتقدم مشاهد تفصيلية عن مراحل التجدد والاستعداد للشروق.

وأطلقت مكتبة الإسكندرية في فبراير 2025 مشروعًا تفاعليًا لتقديم بردية «إيمي دوات» باستخدام تقنيات الواقع المعزز، بما يتيح للزوار توجيه هواتفهم أو أجهزتهم اللوحية إلى المشاهد والنقوش، والاستماع إلى شرح للأحداث والشخصيات المصورة باللغتين العربية والإنجليزية.

وتبرز هذه المقتنيات كيف تعامل المصري القديم مع الموت باعتباره مرحلة انتقالية ضمن دورة أوسع للوجود، وكيف استخدم النصوص والصور والرموز الدينية للتعبير عن أمله في تجاوز العالم السفلي والوصول إلى التجدد والخلود.

الشمس الأبدية.. من المعتقدات الفرعونية إلى تجربة فنية في المتحف المصري الكبير

وتعود رمزية رحلة الشمس إلى الواجهة من جديد مع عرض «الشمس الأبدية – Eternal Sun» بالمتحف المصري الكبير، الذي يستلهم دورة الشمس المتجددة وروح الحضارة المصرية، ويقدمها من خلال تجربة غامرة تجمع بين الإسقاطات الضوئية والموسيقى والمؤثرات البصرية داخل البهو العظيم.

ويستمر العرض لمدة 35 دقيقة، ويأخذ الزائر في رحلة فنية تستحضر العلاقة بين الشمس والحضارة المصرية، من خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة في تقديم التاريخ بصورة مختلفة، تتيح للجمهور التفاعل مع عناصر المشهد البصري والسمعي.

وتتقاطع فكرة العرض مع أحد أعمق التصورات التي شغلت المصري القديم، وهي أن الشمس لا تنتهي باختفائها عند الغروب، وإنما تبدأ رحلة جديدة في العالم الآخر، لتعود في الصباح رمزًا لاستمرار الحياة والتجدد والانتصار على الظلام.

وبين نصوص «إيمي دوات» المنقوشة على جدران المقابر الملكية، والبرديات التي حفظت مشاهد العالم الآخر، والعروض الضوئية الحديثة داخل المتحف المصري الكبير، تستمر حكاية الشمس باعتبارها أحد أبرز الرموز التي جسدت رؤية المصري القديم للكون والحياة والموت والخلود.

 

تم نسخ الرابط