رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

لعنة الفراعنة.. حقيقة تاريخية أم أسطورة صنعتها السينما؟

مقبرة توت عنخ آمون
مقبرة توت عنخ آمون

على مدار عقود طويلة، ارتبطت الحضارة المصرية القديمة بحكايات غامضة عن اللعنات والأرواح التي تحرس المقابر، وأصبحت عبارة «لعنة الفراعنة» واحدة من أكثر التعبيرات انتشارًا كلما جرى الحديث عن اكتشاف مقبرة أثرية أو فتح تابوت مغلق منذ آلاف السنين. وبينما صورتها السينما باعتبارها قوة خفية تنتقم من كل من يقترب من أسرار الموتى، تكشف الوقائع التاريخية أن الحكاية أكثر تعقيدًا من مجرد أسطورة مرعبة.

فهل آمن المصري القديم فعلًا بوجود لعنات تحمي مقابر الملوك؟ وهل حملت جدران المقابر تحذيرات حقيقية لكل من يحاول اقتحامها؟ وما علاقة وفاة اللورد كارنارفون، بعد اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون، بانتشار هذه الرواية حول العالم؟

اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.. بداية الحكاية الأشهر

ارتبطت شهرة «لعنة الفراعنة» الحديثة بصورة أساسية باكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون في وادي الملوك بالأقصر، على يد عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر في نوفمبر عام 1922، بتمويل من اللورد جورج هربرت، المعروف باسم اللورد كارنارفون.

كان الاكتشاف حدثًا أثريًا استثنائيًا، إذ عثر فريق التنقيب على مقبرة ملكية احتفظت بجزء كبير من محتوياتها الجنائزية، بما في ذلك الأثاث والتماثيل والمقتنيات الذهبية والأدوات التي صاحبت الملك في رحلته إلى العالم الآخر.

وبعد فتح المقبرة، بدأت الصحف العالمية تتابع تفاصيل الاكتشاف، لكن الاهتمام لم يظل محصورًا في الكنوز الأثرية؛ إذ سرعان ما تحولت وفاة كارنارفون في 5 أبريل 1923 إلى محور لحكايات غامضة، بعدما توفي بعد أشهر قليلة من دخول المقبرة.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن كارنارفون تعرض لعدوى ارتبطت بلدغة بعوضة تعرضت للجرح أثناء الحلاقة، وانتهت حالته بتسمم في الدم ومضاعفات صحية. ولم تكن حالته الصحية مستقرة قبل ذلك، إذ عانى من مشكلات صحية منذ تعرضه لحادث سيارة خطير في ألمانيا عام 1901.

لكن تزامن وفاته مع اكتشاف المقبرة منح الصحف مادة مثيرة، وبدأت التكهنات تنتشر حول احتمال تعرضه لعنة الملك الشاب، لتتحول الواقعة تدريجيًا إلى واحدة من أشهر القصص المرتبطة بعالم الآثار المصرية.

هل ظهرت لعنة مكتوبة داخل مقبرة توت عنخ آمون؟

رغم انتشار الروايات التي تحدثت عن وجود عبارة تحذر من دخول المقبرة أو تهدد المتطفلين بالموت، فإن المصادر الأثرية والتاريخية لا تثبت العثور على نقش داخل مقبرة توت عنخ آمون يتضمن نبوءة بموت كل من يقتحمها.

بل إن كثيرًا من العبارات التي تداولتها الصحف باعتبارها نصوصًا فرعونية أصلية لم يكن لها وجود موثق داخل المقبرة، وإنما ارتبطت بالروايات الصحفية التي انتشرت بعد وفاة كارنارفون.

وتشير دراسة منشورة في أرشيف مجلة علم الآثار إلى أن بعض الصحف نسبت إلى المقبرة عبارات تحذيرية لم تكن موجودة بالفعل، وهو ما ساهم في ترسيخ صورة المقبرة باعتبارها مكانًا تحرسه قوة خارقة.

كما أن هوارد كارتر نفسه رفض التعامل مع هذه الحكايات باعتبارها حقيقة، وانتقد ما اعتبره اختلاقًا وخرافات أحاطت بالاكتشاف.

هل عرف المصري القديم مفهوم اللعنة؟

هنا تظهر نقطة مهمة تميز بين الأسطورة الحديثة والجذور التاريخية لبعض المعتقدات المصرية القديمة.

فالمصريون القدماء عرفوا بالفعل نصوصًا تحمل تهديدات وتحذيرات لمن يعتدي على المقابر أو ينتهك حرمتها، وظهرت بعض هذه النصوص على جدران مقابر أفراد ونبلاء في عصور مختلفة.

وكان الهدف من تلك العبارات ردع اللصوص ومنع الاعتداء على المقابر، وحماية جسد المتوفى ومقتنياته الجنائزية، التي ارتبطت في العقيدة المصرية القديمة باستمرار وجوده في العالم الآخر.

وتضمنت بعض النصوص تهديدات دينية أو أخلاقية لمن يعبث بالمقبرة، مثل التعرض للعقاب الإلهي أو فقدان الحماية في الحياة الأخرى، وهي تهديدات ينبغي فهمها في سياق العقيدة والطقوس الجنائزية المصرية القديمة، لا باعتبارها دليلًا على وجود قوة خارقة تقتل كل من يدخل المقبرة.

وتشير أبحاث تناولت نصوص المقابر المصرية إلى أن بعض هذه التحذيرات كان جزءًا من وسائل الحماية الرمزية والدينية للمقابر، خاصة في مقابر الأفراد التي حملت نقوشًا تتوعد المعتدين عليها.

وهكذا، فإن وجود نصوص تحذيرية في بعض المقابر حقيقة تاريخية، لكن تحويلها إلى فكرة لعنة عامة تصيب كل من يقترب من الآثار أمر مختلف تمامًا.

لماذا انتشرت أسطورة لعنة الفراعنة في العالم؟

لم تكن وفاة اللورد كارنارفون وحدها كافية لصناعة أسطورة بهذا الحجم، لكن مجموعة من العوامل ساهمت في انتشارها.

أول هذه العوامل كان الاهتمام العالمي الكبير باكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، الذي تصدر الصحف وأصبح حديث الجمهور في أوروبا وأمريكا.

وثانيها المنافسة الصحفية التي صاحبت الاكتشاف؛ إذ حصلت صحيفة «ذا تايمز» البريطانية على حقوق حصرية لتغطية جانب مهم من تفاصيله، وهو ما ترك صحفًا أخرى تبحث عن روايات وشخصيات وتعليقات بديلة لجذب القراء.

وفي ظل غياب المعلومات المباشرة لدى بعض الصحف، ظهرت تفسيرات من أشخاص مهتمين بالغموض وما وراء الطبيعة، ومن بينهم الكاتب آرثر كونان دويل، مؤلف شخصية شرلوك هولمز، الذي أبدى اهتمامًا بالتفسيرات الخارقة لوفاة كارنارفون.

كما ساهمت القصص الأدبية السابقة على اكتشاف المقبرة في تهيئة الجمهور لتقبل فكرة انتقام المومياوات؛ فقد ظهرت حكايات أدبية عن لعنة المومياء خلال القرن التاسع عشر، ومن بينها قصة للكاتبة لويزا ماي ألكوت بعنوان «Lost in a Pyramid; or, The Mummy's Curse».

وبذلك لم تبدأ فكرة لعنة المومياء مع اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، وإنما وجدت جذورًا في الخيال الأدبي الأوروبي قبل أن يمنحها الاكتشاف الأثري الشهير زخمًا إعلاميًا واسعًا.

ماذا حدث للأشخاص الذين شاركوا في اكتشاف المقبرة؟

من أكثر العناصر التي غذت الأسطورة الحديث عن وفيات عدد من الأشخاص الذين ارتبطوا باكتشاف المقبرة أو زاروها، إذ جرى تقديم بعض هذه الوفيات باعتبارها دليلًا على أن اللعنة طاردت كل من اقترب من الملك.

لكن مراجعة الوقائع تكشف أن الصورة لم تكن بهذه البساطة؛ فقد عاش عدد من المشاركين في أعمال الكشف والتنقيب سنوات طويلة بعد الاكتشاف، ومن بينهم هوارد كارتر نفسه، الذي توفي عام 1939، أي بعد نحو 17 عامًا من اكتشاف المقبرة.

كما عاشت شخصيات أخرى ارتبطت بالحدث أعمارًا طويلة، وهو ما يضعف الرواية التي تتحدث عن عقاب حتمي يصيب كل من يدخل المقبرة.

وفي عام 2002، نشر الباحث مارك نيلسون دراسة في المجلة الطبية البريطانية، تناول فيها العلاقة بين التعرض المزعوم لـ«لعنة المومياء» ومتوسط أعمار الأشخاص الذين ارتبطوا بمقبرة توت عنخ آمون.

وقارن الباحث بيانات أشخاص شاركوا في مراحل فتح المقبرة وفحص محتوياتها ببيانات آخرين لم يتعرضوا للظروف نفسها، ولم يجد ارتباطًا ذا دلالة إحصائية بين دخول المقبرة والوفاة المبكرة.

وخلصت الدراسة إلى عدم وجود دليل يدعم وجود لعنة مرتبطة بمقبرة توت عنخ آمون، لتقدم واحدة من أبرز المحاولات العلمية لفحص الأسطورة بعيدًا عن الروايات الصحفية والحكايات المتداولة.

هل يمكن أن تكون الغازات أو البكتيريا وراء حكايات الموت داخل المقابر؟

مع تطور العلوم، ظهرت تفسيرات تحاول البحث عن أسباب طبيعية لبعض المخاوف المرتبطة بالمقابر المغلقة منذ فترات طويلة.

ومن بين الفرضيات التي طُرحت احتمال وجود فطريات أو كائنات دقيقة أو ملوثات داخل بعض الأماكن المغلقة، قد تشكل خطرًا صحيًا عند التعرض لها، خاصة في حال وجود ظروف مناسبة لنموها وانتشارها.

لكن هذه الاحتمالات لا تثبت وجود لعنة، كما لا يجوز اعتبارها تفسيرًا مؤكدًا لكل وفاة ارتبطت تاريخيًا باكتشاف مقبرة أثرية.

وتشير الدراسات العلمية إلى ضرورة التمييز بين احتمالات التعرض لعوامل بيئية أو بيولوجية داخل الأماكن المغلقة وبين الادعاء بوجود قوة غامضة تتسبب في وفاة الزائرين.

فالمقابر الأثرية تحتاج إلى إجراءات علمية دقيقة عند فتحها أو ترميمها أو دراسة محتوياتها، لكن التعامل معها لا يستند إلى الخوف من لعنة، وإنما إلى قواعد السلامة والحفاظ على الأثر وحماية العاملين والباحثين.

السينما.. كيف تحولت المومياء إلى مصدر للرعب؟

كان للسينما دور كبير في تثبيت صورة لعنة الفراعنة في الوعي الشعبي، بعدما نقلت الحكايات الصحفية والأدبية إلى الشاشة، وأضافت إليها مشاهد المومياوات التي تعود للحياة، والمقابر المظلمة، واللعنات التي تطارد علماء الآثار.

ومن أبرز المحطات في هذا السياق فيلم «The Mummy» الذي عُرض عام 1932، وقدم صورة سينمائية للمومياء المصرية باعتبارها كائنًا يعود من الموت لينتقم ممن انتهكوا حرمة مقبرته.

ومع مرور السنوات، تكررت هذه الصورة في عشرات الأعمال السينمائية والتلفزيونية، وأصبحت المومياء والتابوت والكتابات الهيروغليفية عناصر أساسية في أفلام الرعب والمغامرات.

لكن هذه الأعمال تنتمي إلى الخيال الفني، ولا تمثل توثيقًا تاريخيًا للعقائد المصرية القديمة أو لطبيعة المقابر الفرعونية.

بل إن بعض الأعمال السينمائية ساهمت في تكوين صورة نمطية عن الحضارة المصرية القديمة، تربط آثارها بالغموض والخطر، رغم أن قيمتها الحقيقية تكمن في ما تكشفه من تاريخ وفنون وعلوم ومعتقدات.

لعنة الفراعنة بين الحقيقة والأسطورة

عند الفصل بين الوقائع التاريخية والحكايات المتداولة، يمكن الوصول إلى عدة حقائق أساسية: المصري القديم استخدم نصوصًا وتحذيرات دينية لحماية بعض المقابر، لكن لا يوجد دليل علمي يثبت وجود قوة خارقة تقتل من يقترب من الآثار.

كما أن وفاة اللورد كارنارفون كانت واقعة طبية ارتبطت بعدوى ومضاعفات صحية، بينما ساهم التناول الصحفي المثير والتفسيرات الغامضة في ربطها باكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.

أما السينما، فقد حولت هذه الحكاية إلى أسطورة عالمية، جعلت من لعنة الفراعنة عنوانًا دائمًا لكل ما يحيط بالمقابر المصرية من غموض.

وفي النهاية، ربما تكون الحقيقة الأكثر إثارة أن المصريين القدماء لم يحتاجوا إلى أساطير سينمائية حتى يتركوا للعالم أسرارًا مذهلة؛ فمقابرهم ومعابدهم ونقوشهم تكشف بالفعل عن حضارة استثنائية، لا تزال آثارها تطرح أسئلة جديدة أمام علماء الآثار حتى اليوم.

تم نسخ الرابط